وقال ابن أبي العز شارح الطحاوية (ص 85) :
"من قال: إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده باعتبار سماعه كلامَ الله، فهذا لم يصحَّ عن أحد من الأئمة المشهورين، ولا شكَّ في سماعه، ولكن انتفاعه بالسَّماع لا يصحُّ، فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة، فإنه عمل اختياري، وقد انقطع بموته، بل ربما يتضرَّر ويتألم لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه، أو لكونه لم يزدد من الخير".
وقد ساق ابن تيميَّة جملة من الأحاديث التي تدل على أن الموتى يسمعون، ثم قال:"فهذه النصوص وأمثالها تُبيِّن أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يَعرض للحي فإنه يَسمع أحيانًا خطاب من يُخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرِض له"؛ (مجموع الفتاوى: 5/ 366) .
وقد أجاب شيخ الإسلام على إشكال من يقول:"إن الله نفى السَّماعَ عن الميِّت"في قوله: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [الروم: 52] ، وكيف تزعمون أن الموتى يسمعون؟ فقال:"وهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [الروم: 52] ، فإن المراد بذلك: سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميِّت وإن سمع الكلام وفقه المعنى، فإنه لا يُمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أُمر به ونُهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب وفهم المعنى، كما قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] ، وقد جاءت النُّصوص دالَّة أيضًا على أن الميت مع سماعه يتكلم، فإن مُنكرًا ونَكيرًا يسألونه، فالمؤمن يوفَّق للجواب الحق، والكافر والمنافق يضلُّ عن الجواب، ويتكلم أيضًا في غير سؤال منكر ونكير، وكل هذا مخالف لما عهده أهل الدنيا من كلام، فإن الذي يُسأل ويتكلم الرُّوح، وهي التي تجيب وتَقعد وتُعذَّب وتُنعَّم، وإن كان لها نوعُ اتصال بالجسد، وقد سبق القول أن بعض الناس قد يسمعون الكلمة من الميت، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يسمع من هذا شيئًا كثيرًا؛ (مجموع الفتاوى: 5/ 364) ."
وأيضًا استدل هذا الفريق بحديث الدعاء عند دخول المقابر، وهو: (( السلام عليكم دار قوم ... ) )الحديث، وقالوا: لا يكون السلام إلا على مَن يسمعون.
والرد: أن هذا استدلال نظري استنباطي، ولا يدل الحديث على التصريح بسماعهم.