وأيضًا المقصود من السلام هو طلب الرحمة للموتى، فالمقصود من السلام عليهم الدعاء لا الخطاب.
وحاول البعض الجمع بين حديث ابن عمر (وهو محادثة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل القليب) ، وبين حديث عائشة أنها أنكرت ذلك وقرأت عليهم قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} .
فقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في"الفتح" (3/ 301) :"إن الجمع بين حديث ابن عمر وعائشة بحمل حديث ابن عمر على أن مُخاطبة أهل القَليب وقعت وقت المسألة، وحينئذ كانت الرُّوح قد أعيدت إلى الجسد"؛ اهـ.
وقال المُناوي - رحمه الله - في"فتح القدير":"وأما الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم:"أنه يسمع قَرع نعالهم"، وقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، أجيب: بأن السماع في الحديث بخصوص أول الوضع في القبر مقدمة السؤال، فالحديث لا يدل على العموم".
والراجح في المسألة:
هو ما ذهب إليه الفريق الأوَّل من عدم سماع الموتى، وهذا ما انتصر له الشَّيخ الألباني - رحمه الله - فقال في مقدمة"الآيات البينات في عدم سماع الأموات"للألوسي رحمه الله:
"وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم: على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما كما في حديث القليب، فلا ينبغي أن يُجعل ذلك أصلًا، فيقال: إن الموتى يسمعون، كَلَّا، فإنها قضايا جزئيَّة لا تُشكل قاعدة كليَّة يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثنى منه على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر، أو الخاص من العام، كما هو مقرر في أصول الفقه."
ولذلك قال العلامة الألوسي في"روح المعاني"بعد بحث مستفيض في هذه المسألة (6/ 455) :
والحق أن الموتى لا يسمعون في الجملة، فيقتصر على القول بالسماع بما ورد السماع بسماعه.
وهذا مذهب طوائف من أهل العلم، كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي.
وما أحسن ما قاله ابن التين رحمه الله:"إن الموتى لا يسمعون بلا شكٍّ، لكن إذا أراد الله تعالى إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع".