وهذه ليست بغيبة، لأنك إذا أردت أن تزوج ابنتك لفلان سألت عنه الناس، ولا تثق في قولهم إلا إذا كان صادرا عن أهل علم وعدل ومعرفة به، فإن لم تدرك حاله فإنك لن تزوجه ابنتك، فكان من باب أولى من تقبل شهادته في أمور الدين وأحكام الشرع حال تطبيقها على الناس، قال الشيخ أحمد شاكر (ليس الكلام في جرح الرجال على وجه النصيحة لله ولرسوله ولكتابه والمؤمنين بغيبة، بل يثاب بتعاطي ذلك إذا قصد به ذلك) [1] ، قال الرازي (فلما لم نجد سبيلا إلى معرفة شئ من معاني كتاب الله ولا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة النقل والرواية وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة، وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الاحاديث الكاذبة، ولما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله عزوجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل الرواة حق علينا معرفتهم ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن احوالهم، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث واتقان به وتثبت فيه، وان يكونوا اهل تمييز وتحصيل، لا يشوبهم كثير من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه، ولا يشبه عليهم بالاغلوطات، وأن يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم، وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة) [2] .
وقال الحافظ العرافي في ألفيته [3] :-
وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُقْبَلُ المَجْهُوْلُ؟ ... وَهْوَ -عَلَى ثَلاَثَةٍ- مَجْعُوْلُ
مَجْهُوْلُ عَيْنٍ: مَنْ لَهُ رَاوٍ فَقَط ... وَرَدَّهُ الاكْثَرُ، وَالقِسْمُ الوَسَطْ
مَجْهُوْلُ حَالٍ بَاطِنٍ وَظَاهِرِ ... وَحُكْمُهُ: الرَّدُّ لَدَى الجَمَاهِرِ،
وَالثَّالِثُ: المَجْهُولُ لِلعَدالَة ... في بَاطِنٍ فَقَطْ. فَقَدْ رَأَى لَهْ
(1) الشيخ أحمد شاكر: الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير ص 207
(2) الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حام محمد بن إدريس المنذر التميمي الحنظلي الرزاي: الجرح والتعديل ج 1 ص 6
(3) الأبيات من 286 - 290