فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 70

وقد جعل الله تعالى الإشهاد في موطن الطلاق والرجعة والزواج من حدود الله تعالى وحقوقه، وأمر بإقامتها له سبحانه، فغلب بذلك حق الله تعالى بشأن الإشهاد في تلك المواطن على حقوق العباد، فلم يسغ أن يتساهلوا في هذا الأمر، قال ابن كثير في هذه الآية (ومن ها هنا ذهب الشافعي -في أحد قوليه-إلى وجوب الإشهاد في الرجعة، كما يجب عنده في ابتداء النكاح، وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإشهاد عليها) [1] .

فهو أمر مرهون به إيمان المرء (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، فكأن الذي يتساهل في ذلك ليس بمؤمن بالله ولا باليوم الآخر، لأنه فتح بذلك أبوابا للشيطان يستطيع أن يدخل منها ويخرج كما يشاء، فلو شئت لقلت أنه لم يشهد على رجعتها ثم مات بعد انقضاء العدة ولم يعلم أحد أنها رجعت له، فلا يؤخذ بقولها إذ يعزوه الدليل فلم يشهد على رجعتها، ومن ثم يسقط حقها في الميراث منه، بفعله وامتناعه عن أداء حق الله تعالى الذي فرضه عليه في الإشهاد.

كذلك لو طلقها ولم يشهد على طلاقها ثم انقضت عدتها ومات، فإذا تزوجت قد يظن الناس أنها تزوجت في العدة المتوفى عنها زوجها، وتكون محلا للتوبيخ منهم ثم العقاب من ولي الأمر، وهكذا يقع من لا يلتزم بالسنة في حرج شديد، ويوقع غيره في مثل هذا الحرج، فكان حسم هذه المسألة بقطع سبل الشيطان بترجيح القول بأن الإشهاد شرط صحة للزواج والطلاق والرجعة هو أقرب إلى المصلحة , وأبعد عن المفسدة.

فليس من الخير أن يطلقها ولا يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) [2] ، بيد أن العلانية تقوم مقام

(1) تفسير ابن كثير ج 8 ص 146

(2) رواه ابن ماجة ج 6 ص 119 رقم 1967 وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 1 ص 575 رقم 285

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت