فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 70

لم يرض من زوجته خلق معينا، ولا شك أن في ذلك تعسير على نفسه إذ لن يجد من تدوم معه على حال.

والقرآن كله يحتوي على أوامر الله تعالى التي أنزلها إلينا، لكن إشارة السورة في هذا الموضع إلى ذلك توحي بأهمية النظر فيما أنزله الله تعالى من أمر إباحة الطلاق وأحكامه، فهؤلاء هم عباد المسيح يفخرون بأن دينهم ليس فيه طلاق، وأن الزواج عندهم أبدي لا يسمح فيه للرجل أن ينفصل عن المرأة ولا المرأة أن تنفصل عن الرجل بأي حال من الأحوال غير الموت أو جريمة الزنا فحسب، وينسون أو يتناسون أن كثير من المشكلات الزوجية علاجها لا يكون إلا بالطلاق، فعسروا على أنفسهم، بالرغم من أن شريعة الله تعالى فيها اليسر، لأنها اشتملت على أمر الله تعالى الذي أنزله إلينا، بمعنى أن شريعة الله تعالى اقتضت أن يكون الطلاق هو أحد صور إنتهاء الحياة الزوجية بين رجل مطلِق وامرأة مطلَقة دون بغض هذا الأمر أو تبغيضه للناس، فليس بصحيح القول بأن أبغض الحلال عند الله الطلاق [1] ، وإنما الصحيح أن الطلاق شرع من الله رحمة بالعباد، وفيه تيسير لهم في أمور معاشهم، وقد يكون فيه شيء من تنغيص العيش على المرأة كما بينت ذلك السنة المطهرة، لكنه مقرون بوعد الله تعالى بالغنى والرزق بغير حساب شريطة التقوى، (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته) ، ولذلك كان من المناسب أن يعيد المولى سبحانه التذكير بأمر التقوى للمرة الثالثة في هذه السورة قال ابن عاشور (والمقصود موعظة الرجال والنساء على الأخذ بما في هذه الأحكام مما عسى أن يكون فيه مشقة على أحد بأن على كل أن يصبر لذلك امتثالا لأمر الله فإن الممتثل وهو مسمى المتقي يجعل الله له يسرا فيما لحقه من عسر) [2] .

فإذا أقدم العبد على الطلاق حسبة لله تعالى - بحسب الأحوال - فعليه أن يدرك أن هذا الأمر هو ابتلاء الله تعالى لله، ولعله سببا في أن يكفر عنه الذنوب والسيئات، ويعظم للمرء أجره، فها هو الرجل يجهز البيت ويمنح المرأة مهرها وينفق عليها سنوات زواجه منها، ثم هو يطلقها حسبة

(1) انظر إرواء الغليل للألباني 7 ص 106، وتعليقه على صحة الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة بنت عمر بن الخطاب، السلسلة الصحيحة ج 5 ص 15 رقم 2007

(2) التحرير والتنوير ج 1 ص 4463 محمد الطاهر ابن عاشور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت