الضرورية أيضا، وعليه أن يعلم أنه إذا قام بما عليه من واجب وأداه لتقواه وخوفه من الله، فإن الله تعالى قد بشره باليسر بعد العسر، فقال سبحانه (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) ، وعليه أن يثق في وعد الله له ولا يخشى الفقر، لقوله صلى الله عليه وسلم (ما نقص مال عبد من صدقة) [1] ، وخير الصدقة ما تصدق بها على عياله.
قال تعالى (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا)
حذر المولى سبحانه من مغبة عدم تطبيق أحكام الطلاق التي أنزلها، وعدم الانصياع لها، وعلى وجه العموم التمرد على أحكام الله تعالى، والظن أن الإنسان قادر بعقله الضعيف أن يخترع أحكاما يضاهي بها شرع الله تعالى ويحقق ما هو أصلح للمرأة أو للمجتمع، الأمر الذي يمثل خروجا صريحا لأمر الله تعالى، فالعتو عن أمر الله ورسله يعني مجاوزة الحد بشدة [2] ، إذ يتعين على جماعة المسلمين أن ترعي لهذا الأمر اهتماما، ولا تخرج عما أمرها ربها، ولا تبتدع أحكاما تخالف ما أمر به سبحانه، وقد يقول قائل أن مسائل الطلاق هذه ليست من عقيدة الإسلام في شيء، وأنها من أمور الدنيا التي ينبغي أن يقوم البشر بتنظيمها لأنفسهم بحسب ما يتناسب معهم، وهذا جهل منه بحقيقة الإسلام وكنه عقيدته، فكما ذكرنا من قبل أن هذا الدين لا يفرق بين أمور العقيدة وأمور العبادات وأمور المعاملات، فالدين كل متكامل لا يجوز تجزئته، أو الإيمان ببعضه وترك بعضه الأخر، وإنما يجب الإيمان به كوحدة واحدة، فكل ما أمر الله به من أمر حتى ولو صغر في عيون السفهاء، فإن مخالفته تعد عند الله تعالى كبيرة، وقد سماها الله تعالى في هذا الموضع عتو، أي مجاوزة الحد.
ويعلق صاحب الظلال على ذلك فيقول (ونقف لحظة أمام هذا التحذير فنرى أن الله أخذ القرى واحدة بعد واحدة كلما عتت عن أمر ربها ورسله .. ونجد أن هذا التحذير يساق هنا بمناسبة الطلاق وأحكامه , فيرتبط الطلاق وحكمه بهذه السنة الكلية، ويوحي هذا الارتباط أن أمر الطلاق ليس أمر أسر أو أزواج، إنما هو أمر الأمة المسلمة كلها، فهي المسؤولة عن هذا
(1) رواه الترمذي ج 4 ص 562 رقم 2325 وصححه الألباني، انظر الجامع الصغير ج 1 ص 534 رقم 5335
(2) معجم ألفاظ القرآن الكريم ج 4 ص 191