الأفهام قال تعالى: {يا أولي الألباب} أي العقول الصافية النافذة من الظواهر إلى البواطن {الذين آمنوا} أي خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا الإيمان حقيقة).
وبهذه المناسبة ولكثرة اقتران الآيات بالأمر بالتقوى أو الإشارة إليها يثور التساؤل عن كيفية تحقق التقوى في نفس المرء، وما هي الخطوات العملية التي يتعين عليه اتباعها لتحصيل التقوى، فكانت الإجابة من العلي الخبير سريعة وشافية مبتدأة بالإشارة إلى مصادر التلقي لمنهج الله تعالى، ألا وهو الذكر المتمثل في أمرين رسول من عند الله تعالى وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما بلَّغه لنا عن ربه من آيات الذكر الحكيم والسنة النبوية المطهرة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه) [1] .
فإذا اتبعت الأمة هذين النبعين الصافيين لدين الله تعالى ولم تأخذ أحكام حياتها من غير ذلك، فإنها تكون قد اهتدت وخرجت من الظلمات إلى النور، وهنا وحسب يمكن أن ننعتها بالأمة المؤمنة التي وعدها الله تعالى بخيري الدنيا و الأخرة، إذ ينصلح حالها وتتحقق مصلحتها في الدنيا، كما ينعم الله عليها بالجنان التي تجري من تحتها الأنهار في الآخرة، نعيم لا ينقضي و لا ينقطع عنها أبدا، وليس ثمة رزق أحسن من ذلك، لأن مصدره من عند الله تعالى، وسببه ما حصل المرء من تقوى نتيجة لتنفيذه أوامر ربه سبحانه.
ومن اللطائف البيانية حول هذه الآية ما ذكره (د. فاضل السامرائى) [2] أن (من) في سنن العربية يُبدأ معها بالإفراد الذي يعود على لفظ (مَن) ثم يُؤتى بالذي يفسّر المعنى، جاءت (خالدين) بالجمع لأن القرآن لم يذكر أبدًا خالدًا في الجنة بصيغة المفرد، أما في النار فجاءت بالإفراد وبالجمع والإفراد في النار تدل على أن العزلة وحدها عذاب، ولأن هناك من يُعذَّب
(1) رواه مالك في الموطأ ج 2 ص 899 رقم 1594 وحسنه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح ج 1 ص 40 رقم 186 و رواه الحاكم مسندا وصححه
(2) د. فاضل السامرائي أستاذ في جامعة الشارقة لمادة النحو والتعبير القرآني منذ عام 1999.
وهو ضيف رئيسي في برنامج «لمسات بيانية» على قناة الشارقة الإمارتية وهو برنامج تلفزيوني يشرح الإعجاز البياني في القرآن الكريم. المصدر: ويكبيديا