فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 83

أو منه إلى الرسول بلا واسطةٍ، كما كلَّم موسى، وأخذ عهده على الأمم بواسطة الرسل، وأخذ عهده على الجهَّال بواسطة العلماء، فأخذ عهده على هؤلاء بالتعليم، وعلى هؤلاء بالتعلُّم، ومدح المُوفِين بعهده، وأخبرهم بما لهم عنده من الأجر، فقال: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10] ، وقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91] ، {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177] ، وهذا يتناول عهودهم مع الله بالوفاء له بالإخلاص والإيمان والطاعة، وعهودهم مع الخلق.

وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من علامات النفاق: (( الغدر بعد العهد ) ) [1] ، فما أناب إلى الله - عز وجل - مَن خان عهده وغدر به، كما أنه لم يُنِبْ إليه مَن لم يدخلْ تحت عهده، فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء به.

وقوله: والرجوع إليه حالًا كما رجعت إليه إجابة.

أي هو - سبحانه - قد دعاك فأجبته بلبَّيك وسَعْديك قولًا، فلا بد من الإجابة حالًا تصدِّق به المقال، فإن الأحوال تصدِّق الأقوال أو تكذِّبها، وكل قول فلصدقِه وكذبِه شاهدٌ من حال قائله، فكما رجعت إلى الله إجابةً بالمقال، فارجعْ إليه إجابة بالحال، قال الحسن - رحمه الله: ابنَ آدم، لك قول وعمل، وعملك أولى بك من قولك، ولك سريرة وعلانية، وسريرتك أَمْلَكُ بك من علانيتك.

قال: وإنما يستقيم الرجوع إليه إصلاحًا بثلاثة أشياء: بالخروج من التبعات، والتوجع للعثرات، واستدراك الفائتات.

والخروج من التبعات: هو بالتوبة من الذنوب التي بين العبد وبين الله، وأداء الحقوق التي عليه للخلق، والتوجع للعثرات يحتمل شيئين:

أحدهما: أن يتوجَّع لعثرته إذا عثر، فيتوجَّع قلبه وينصدع، وهذا دليل على إنابته إلى الله، بخلاف مَن لا يتألم قلبُه، ولا ينصدع من عثرته، فإنه دليل على فساد قلبه وموته.

الثاني: أن يتوجَّع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر، حتى كأنه هو الذي عثر بها، ولا يشمت به فهو دليل على رقة قلبه وإنابته.

(1) البخاري (34) ، ومسلم (106) من حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت