فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 83

إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء .. وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة! والأذلاء هنا على مسرح الآخرة في ضعفهم وتبعيتهم للذين استكبروا يسألونهم:

{إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} ؟ [إبراهيم: 21] ، وقد اتبعناكم فانتهينا إلى هذا المصير الأليم؟!

أم لعلهم وقد رأوا العذاب يهمُّون بتأنيب المستكبرين على قيادتهم لهم هذه القيادة، وتعريضهم إياهم للعذاب؟ إن السياق يحكي قولهم، وعليه طابع الذلة على كل حال!

ويرد الذين استكبروا على ذلك السؤال: {قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] ، وهو رد يبدو فيه البرم والضيق: {لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} ؛ فعلامَ تلوموننا، ونحن وإياكم في طريق واحد، إلى مصير واحد؟ إننا لم نهتدِ ونضللكم، ولو هدانا الله لقُدْنَاكم إلى الهدى معنا، كما قُدْناكم حين ضللنا إلى الضلال! وهم ينسبون هداهم وضلالهم إلى الله، فيعترفون الساعة بقدرته، وكانوا من قبل ينكرونه وينكرونها، ويستطيلون على الضعفاء استطالة مَن لا يحسب حسابًا لقدرة القاهر الجبار.

وهم إنما يتهربون من تبعة الضلال والإضلال برجع الأمر لله .. والله لا يأمر بالضلال؛ كما قال - سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28] ، ثم هم يؤنبون الضعفاء من طرف خفي، فيعلنونهم بأن لا جدوى من الجزع، كما أنه لا فائدة من الصبر، فقد حق العذاب، ولا رادَّ له من صبر أو جزع، وفات الأوان الذي كان الجزع فيه من العذاب يجدي فيرد الضالين إلى الهدى، وكان الصبر فيه على الشدة يجدي فتدركهم رحمة الله، لقد انتهى كل شيء، ولم يعدْ هنالك مفر ولا محيص، {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] .

التحذير من اتباع الآباء في مخالفة شرع الله - تعالى:

لقوله - تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] ، وقوله - تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 23، 24] ، وقوله - تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 69 - 74] ، وقوله - تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت