{حَنِيفًا} ، مقبلًا على الله بالمحبة والإنابة والعبودية، معرضًا عمَّن سواه.
{وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} في قوله وعمله، وجميع أحواله؛ لأنه إمام الموحِّدين الحنفاء.
{شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} ؛ أي: آتاه الله في الدنيا حسنة، وأنعم عليه بنعم ظاهرة وباطنة، فقام بشكرها، فكان نتيجة هذه الخصال الفاضلة أن {اجْتَبَاهُ} ربه، واختصه بخُلته، وجعله من صفوة خَلقه، وخيار عباده المقربين، {وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} في علمه وعمله، فعلم بالحق وآثره على غيره.
قال - تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13] .
يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله:"قد علمت أن مَن نزل في منزل التوبة وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام، فإن التوبة الكاملة متضمِّنة لها وهي مندرجة فيها، ولكن لا بد من إفرادها بالذكر والتفصيل تبيينًا لحقائقها وخواصِّها وشروطها، فإذا استقرَّت قدمُه في منزل التوبة، نزل بعده منزل الإنابة، وقد أمر الله - تعالى - بها في كتابه، وأثنى على خليله بها، فقال: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} [الزمر: 54] ، وقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75] ، وأخبر أن آياته إنما يتبصر بها ويتذكر أهل الإنابة، فقال: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا} إلى أن قال: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 6 - 8] ، وقال - تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر: 13] ، وقال - تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [الروم: 31] الآية."
فـ:"مَنِيبِينَ"منصوب على الحال من الضمير المستكن في قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} [الروم: 30] ؛ لأن هذا الخطاب له ولأمته؛ أي: أقمْ وجهَك أنت وأمتك منيبين إليه؛ نظيره قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] ، ويجوز أن يكون حالًا من المفعول في قوله: {فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ؛ أي: فطرهم منيبين إليه، فلو خُلُّوا وفِطَرهم لما عدلتْ عن الإنابة إليه، ولكنها تحوَّل وتتغيَّر عما فُطِرت عليه، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة ) ) [1] ، وفي رواية: (( على الملة حتى يعبر عنه لسانه ) ) [2] ، وقال عن نبيِّه داود: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ
(1) البخاري (1358) ، ومسلم (2658) ، وأحمد (7181) ، وأبو داود (4714) ، والترمذي (2138) عن أبي هريرة.
(2) مسلم (2658) .