وروى القرطبي عن الفضيل بن عياض أنه قال:"الصراط المستقيم: طريق الحج"، قال: وهذا خاص، والعموم أولى؛ انتهى.
وجميع ما روي في تفسير هذه الآية ما عدا هذا المروي عن الفضيل يصدق بعضه على بعض؛ فإن مَن اتبع الإسلام أو القرآن أو النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد اتَّبع الحق.
وقد ذكر ابن جرير نحو هذا، فقال: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أن يكونَ مَعْنيًّا به: وفِّقْنا للثبات على ما ارتضيتَه، ووفَّقتَ له مَن أنعمتَ عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن مَن وفِّق إليه ممن أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقد وفِّق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عمَّا زجره عنه، واتباع منهاج النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم"؛ انتهى [1] ."
لقوله - تعالى - عن نبيِّه هود - عليه السلام - لقومه: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56] ، ولقوله - تعالى: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يس: 1 - 4] ، وقوله - تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الزخرف: 43] ، وقوله - تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39] .
يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله - في"مدارج السالكين":
"والصراط المستقيم هو صراط الله، وهو يخبر أن الصراط عليه - سبحانه - كما ذكرنا، ويخبر أنه - سبحانه - على الصراط المستقيم، وهذا في موضعينِ من القرآن: في هود والنحل، قال في هود: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56] ، وقال في النحل: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] ؛ فهذا مثلٌ ضَرَبه الله للأصنام التي لا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، وهي كَلٌّ على عابدها، يحتاج الصنم إلى أن"
(1) "فتح القدير"للإمام الشوكاني بتصرف.