وأيضًا فإن العبد القائم بما أمر به، لا يزال يتمرَّن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونةً له على الثبات على الطاعات.
الثالث: قوله: {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} ؛ أي: في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المُقِيم مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر.
الرابع: الهداية إلى صراط مستقيم، وهذا عموم بعد خصوص، لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم، من كونها متضمِّنة للعلم بالحق، ومحبته وإيثاره والعمل به، وتوقف السعادة والفلاح على ذلك، فمَن هُدِي إلى صراط مستقيم، فقد وفِّق لكل خير، واندفع عنه كل شر وضير.
ولقوله - تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17 - 18] .
ويقول محمد علي الصابوني في"تفسيره":
{فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ؛ أي: فبشِّر عبادي المتَّقِين، الذين يستمعون الحديث والكلام، فيتبعون أحسنَ ما فيه، قال ابن عباس: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدَّث بالحسن، وينكف عن القبيح فلا يتحدَّث به، وهذا ثناء من الله - تعالى - عليهم بنفوذ بصائرهم، وتمييزهم الأحسن من الكلام، فإذا سمعوا قولًا تبصروه، وعملوا بما فيه، وأحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وإنما وضع الظاهر.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} [الزمر: 18] ؛ أي: أولئك المتَّصِفون بتلك الصفات الجليلة، هم الذين هداهم الله لما يرضاه، ووفَّقهم لنيل رضاه.
{وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} ؛ أي: وأولئك هم أصحاب العقول السليمة والفطر المستقيمة.
وقوله - تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36] .
قال - تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .
يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره لهذه الآية:
"قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} ، وفي قوله: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] ، ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله"