فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 83

المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك مَن كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله، ونحو هذا قاله مجاهد، وغير واحد.

وقوله - تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل: 9] .

يعلق الشاطبي - رحمه الله تعالى - على هذه الآية، فيقول:"فالسبيلُ القصدُ هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق؛ أي: عادل عنه، وهي طرق البدع والضلالات، أعاذنا الله من سلوكها بفضله، وكفى بالجائر أن يحذَّرَ منه؛ فالمساق يدل على التحذير والنهي."

عن التستري: (قصد السبيل) : طريق السنة،"ومنها جائر"؛ يعني: إلى النار، وذلك الملل والبدع.

وعن مجاهد:"قصد السبيل"؛ أي: المقتصد منها بين الغلو والتقصير، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف البدع" [1] ؛ اهـ."

وقوله - تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13] .

هذه أكبر منَّة أنعم الله بها على عباده، أن شرع لهم من الدِّين خير الأديان وأفضلها، وأزكاها وأطهرها، دين الإسلام، الذي شرعه الله للمصطفين المختارين من عباده، بل شرعه الله لخيار الخيار، وصفوة الصفوة، وهم أولو العزم من المرسلين، المذكورون في هذه الآية، أعلى الخلق درجة، وأكملهم من كل وجه، فالدين الذي شَرَعه الله لهم لا بدَّ أن يكون مناسبًا لأحوالهم، موافقًا لكمالهم، بل إنما كمَّلهم الله واصطفاهم، بسبب قيامهم به، فلولا الدين الإسلامي، ما ارتفع أحد من الخلق؛ فهو روح السعادة، وقطب رحى الكمال، وهو ما تضمَّنه هذا الكتاب الكريم، ودعا إليه من التوحيد والأعمال والأخلاق والآداب.

ولهذا قال: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} ؛ أي: أمركم أن تُقِيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تُقِيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونون على البر والتقوى، ولا تعاونون على الإثم والعدوان.

{وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} ؛ أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرِصُوا على ألاَّ تفرِّقكم المسائل وتحزبكم أحزابًا، وتكونوا شيعًا، يعادي بعضكم بعضًا، مع اتفاقكم على أصل دينكم.

(1) "الاعتصام" (1/ 78، 79) باختصار، ت/ سليم الهلالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت