فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 83

عليهم بالغنى وسعة الرزق، ولكن الإنسان - لجهله وظلمه - إذا رأى نفسه غنيًّا طغى وبغى، وتجبر عن الهدى، ونسي أن إلى ربه الرُّجْعَى، ولم يَخَفِ الجزاء، بل ربما وصلتْ به الحال أنه يترك الهدى بنفسه، ويدعو غيره إلى تركه، فينهى عن الصلاة التي هي أفضل أعمال الإيمان.

يقول الله لهذا المتمرد العاتي: {أَرَأَيْتَ} أيها الناهي للعبد إذا صلى {إِنْ كَانَ} العبد المصلي {عَلَى الْهُدَى} العلم بالحق والعمل به، {أَوْ أَمَرَ} غيره {بِالتَّقْوَى} .

فهل يحسن أن يُنْهَى مَن هذا وصفه؟ أليس نهيُه من أعظم المحاداة لله، والمحاربة للحق؟ فإن النهي لا يتوجَّه إلا لمن هو في نفسه على غير الهدى، أو كان يأمر غيره بخلاف التقوى.

{أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ} الناهي بالحق {وَتَوَلَّى} عن الأمر، أَمَا يخاف الله ويخشى عقابه؟

{أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} ما يعمل ويفعل؟

ثم توعده إن استمر على حاله، فقال: {كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ} عمَّا يقول ويفعل {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} ؛ أي: لنأخذنَّ بناصيته أخذًا عنيفًا، وهي حقيقةٌ بذلك؛ فإنها {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} ؛ أي: كاذبة في قولها، خاطئة في فعلها.

{فَلْيَدْعُ} هذا الذي حق عليه العقاب {نَادِيَهُ} ؛ أي: أهل مجلسه وأصحابه ومَن حوله، ليُعِينوه على ما نزل به، {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} ؛ أي: خَزَنة جهنم، لأخذِه وعقوبته؛ فلينظر أي الفريقين أقوى وأقدر؟ فهذه حالة الناهي وما تُوُعِّد به من العقوبة، وأما حالة المنهي، فأَمَره الله ألا يُصغِي إلى هذا الناهي، ولا ينقاد لنهيه، فقال: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ} ؛ أي: فإنه لا يأمر إلا بما فيه خسارة الدارين، {وَاسْجُدْ} لربك، {وَاقْتَرِبْ} منه في السجود وغيره من أنواع الطاعات والقربات؛ فإنها كلها تُدْني من رضاه وتقرِّب منه.

وهذا عامٌّ لكل ناهٍ عن الخير ومنهي عنه، وإن كانت نازلة في شأن أبي جهل حين نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة، وعبث به وآذاه.

لقوله - تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] .

وفي تفسير الجلالين:

{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} حقد كان بينهم في الدنيا، {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ} تحت قصورهم {الْأَنْهَارُ} ، وقالوا عند الاستقرار في منازلهم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} العمل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت