فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 83

يحمله عابده، ويضعه ويُقِيمه ويخدمه، فكيف يسوونه في العبادة بالله، الذي يأمر بالعدل والتوحيد؟ وهو قادر، متكلم، غني، وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله؛ فقوله صدق، ورشد، ونصح، وهدى، وفعله حكمة، وعدل، ورحمة، ومصلحة، هذا أصح الأقوال في الآية، وهو الذي لم يذكر كثير من المفسِّرين غيره، ومَن ذكر غيره قدَّمه على الأقوال، ثم حكاها بعده، كما فعل البغوي، فإنه جزم به وجعله تفسيرَ الآية، ثم قال: وقال الكلبي: يدلُّكم على صراط مستقيم.

قلتُ: ودلالته لنا على الصراط هي من موجب كونه - سبحانه وتعالى - على الصراط المستقيم؛ فإن دلالته بفعله وقوله، وهو على الصراط المستقيم في أفعاله وأقواله، فلا يناقض قول مَن قال: إنه - سبحانه - على الصراط المستقيم.

قال: وقيل: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم.

قلتُ: وهذا حق، لا يناقض القول الأول، فالله على الصراط المستقيم، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عليه، فإنه لا يأمر ولا يفعل إلا مقتضاه وموجبه، وعلى هذا يكون المثَلُ مضروبًا لإمام الكفَّار وهاديهم، وهو الصنم الذي هو أبكم، لا يقدر على هدى ولا خير، ولإمام الأبرار وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم.

وعلى القول الأول: يكون مضروبًا لمعبود الكفار ومعبود الأبرار، والقولان متلازمان؛ فبعضهم ذكر هذا، وبعضهم ذكر هذا، وكلاهما مراد من الآية.

قال: وقيل كلاهما للمؤمن والكافر؛ يرويه عطية عن ابن عباس - رضي الله عنهما، وقال عطاء: الأبكم أُبَي بن خلف، ومَن يأمر بالعدل: حمزة، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون - رضي الله عنهم.

قلتُ: والآية تحتمله، ولا يناقض القولين قبله؛ فإن الله على صراط مستقيم، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وأتباع رسوله، وضد ذلك معبود الكفار وهاديهم، والكافر التابع والمتبوع والمعبود، فيكون بعض السلف ذكر أعلى الأنواع، وبعضهم ذكر الهادي، وبعضهم ذكر المستجيب القابل، وتكون الآية متناولة لذلك كله، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن.

وأما آية هود، فصريحة لا تحتمل إلا معنى واحدًا، وهو أن الله - سبحانه - على صراط مستقيم، وهو - سبحانه - أحق مَن كان على صراط مستقيم؛ فإن أقوالَه كلَّها صدق ورشد، وهدى وعدل وحكمة، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] ، وأفعاله كلها مصالح وحِكَم، ورحمة، وعدل، وخير، فالشرُّ لا يدخل في أفعاله ولا أقواله ألبتة، لخروج الشر عن الصراط المستقيم، فكيف يدخل في أفعال مَن هو على الصراط المستقيم أو أقواله؟ وإنما يدخل في أفعال مَن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت