تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران: 101] ؛ يعني: أن الكفر بعيدٌ منكم، وحاشاكم منه؛ فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلًا ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، وهذا كقوله - تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الحديد: 8] ، والآية بعدها، ثم قال - تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] ؛ أي: ومع هذا، فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد.
ويقول الإمام الطبري في تفسيره:
"القول في تأويل قوله - تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] ."
قال أبو جعفر: يعني بذلك - جل ثناؤه: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} أيها المؤمنون بعد إيمانكم بالله وبرسوله، فترتدوا على أعقابكم، {وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} ؛ يعني: حجج الله عليكم التي أنزلها في كتابه على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم، {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} حجة أخرى عليكم لله، مع آي كتابه، يدعوكم جميع ذلك إلى الحق، ويبصِّركم الهدى والرشاد، وينهاكم عن الغي والضلال؟ يقول لهم - تعالى ذكره: فما وجهُ عذركم عند ربكم في جحودِكم نبوة نبيكم، وارتدادكم على أعقابكم، ورجوعكم إلى أمر جاهليتكم، إن أنتم راجعتم ذلك وكفرتم، وفيه هذه الحجج الواضحة والآيات البينة على خطأ فعلكم ذلك إن فعلتموه؟
كما حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} الآية، علمان بيِّنان: وجدان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وكتاب الله؛ فأما نبي الله، فمضى - صلى الله عليه وسلم - وأما كتاب الله، فأبقاه الله بين أظهركم؛ رحمة من الله ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وأما قوله: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ؛ فإنه يعني: ومَن يتعلق بأسباب الله، ويتمسَّك بدينه وطاعته، فقد هدي، يقول: فقد وفِّق لطريق واضح، ومحجَّة مستقيمة غير معوجة، فيستقيم به إلى رضا الله، وإلى النجاة من عذاب الله والفوز بجنته"."
ويقول الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسيره:
"القول في تأويل قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 175] ."