النسيان والكفر، بالصبر الذي هو توطين النفس وحملها على أمر الله - تعالى - به، وبإقام الصلاة، وأعلمهم أنه مع الصابرين، يمدهم بالعون والقوة، فإذا صَبَروا نالهم عون الله - تعالى - وتقويته، وهذا ما تضمنته الآية الأولى.
أما الآية الثانية (154) ، فقد تضمَّنت نهيَه - تعالى - لهم أن يقولوا مُعتَقِدين أن مَن قُتِل في سبيل الله ميتٌ؛ إذ هو حي في البرزخ، وليس بميِّت، بل هو حي يُرزَق في الجنة؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( أرواحهم في جوف طيرٍ خضرٍ لها قناديل معلَّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ) ) [1] ؛ فلذا لا يقال لمن قتل في سبيل الله: مات، ولكن استُشهد، وهو شهيد وحي عند ربه حياة لا نُحسُّها ولا نشعر بها بمفارقتها للحياة في هذه الدار [2] .
وأما الآية الثالثة (155) فإنه يُقسِم - تعالى - لعباده المؤمنين على أنه يبتليهم بشيء من الخوف بواسطة أعدائه وأعدائهم وهم الكفار عندما يشنون الحروب عليهم، وبالجوع لحصار العدو ولغيره من الأسباب، وبنقص الأموال الماشية للحرب والقحط، وبالأنفس؛ كموت الرجال، وبفساد الثمار بالجوائح، كل ذلك لإظهار من يصبر على إيمانه وطاعة ربه بامتثال أمره واجتناب نهيه، ومن لا يصبر، فيحرم ولاية الله وأجره، ثم أمْره رسولَه بأن يبشر الصابرين، وبيَّن في الآية الرابعة (156) حال الصابرين، وهي أنهم إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله، فله أن يصيبنا بما شاء؛ لأنَّا ملكه وعبيده، وإنا إليه راجعون بالموت، فلا جزع إذًا، ولكن تسليم لحكمه، ورضًا بقضائه وقدره، وفي الآية الخامسة (157) أخبر - تعالى - مبشرًا أولئك الصابرين بمغفرة ذنوبهم وبرحمة من ربهم، وأنهم المهتدون إلى سعادتهم وكمالهم، فقال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
1 -فضيلة الصبر، والأمر به، والاستعانة بالصبر والصلاة على المصائب والتكاليف، في الحديث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
(1) مسلم (1887) ، والترمذي (3011) ، وابن ماجه (2801) عن ابن مسعود - رضي الله عنه.
(2) لا يقال لمن قتل في سبيل الله: مات، بمعنى انقطعت عنه الحياة، فالشهيد لم يمت، وإنما انتقل من حياة ناقصة إلى حياة كاملة دائمة، كما أن لفظ الموت مفزع للإنسان، فإذا دارت المعركة وسقط الشهداء، وقيل: مات فلان وفلان، يؤثر ذلك فيَ نفس من سمع كلمة الموت؛ ولذا لا يقال: مات، ولكن: استشهد.