وقيل: مكة البلد، وبكة موضع المسجد، سمِّيت بذلك: لدقها أعناق الجبابرة، فلم يقصدْها جبَّار إلا قصمه الله - تعالى - أو لازدحام الناس بها مِن (بكه) : إذا فرقه ووضعه، وإذا زاحمه، كما أن مكة من مكه: أهلكه ونقصه؛ لأنها تهلك من ظلم فيها وألحد، وتنقص الذنوب أو تنفيها كما في القاموس، وقد ذهب بعضهم إلى أن مكة هي (ميشا) أو (ماسا) المذكورة في التوراة، وآخَرُ إلى أنه مأخوذ من اسم واحد من أولاد إسماعيل وهو (مسا) .
{مُبَارَكًا} ؛ أي: كثير الخير، لما يحصل لمن حجَّه واعتمره، واعتكف عنده، وطاف حوله، من الثواب وتكفير الذنوب.
{وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} ؛ لأنه قِبْلَتهم ومتعبَّدهم.
تنبيه:
ذكر بعض المفسرين أن المراد بالأولية كونه أولًا في الوضع والبناء، ورَوَوا في ذلك آثارًا؛ منها: أنه - تعالى - خلق هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرضين.
ومنها: أنه - تعالى - بعث ملائكة لبناء بيتٍ في الأرض على مثالِ البيت المعمور، وذلك قبل خلق آدم.
ومنها: أنه أول بيت وُضِع على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، وأنه خُلِق قبل الأرض بألفي عام، وليس في هذه الآثار خبر صحيح يعول عليه.
والمتعين أن المراد: أول بيت وُضِع مسجدًا، كما بيَّنتْه رواية ابن أبي حاتم عن علي - رضي الله عنه - في هذه الآية قال: كانتِ البيوت قبله، ولكنه أوَّل بيت وضع لعبادة الله - تعالى.
وفي الصحيحين عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ مسجد وضع في الأرض أولُ؟ قال: (( المسجد الحرام ) )، قال: قلت: ثم أي؟ قال: (( المسجد الأقصى ) )، قلتُ: كم كان بينهما؟ قال: (( أربعون سنةً، ثم أينما أدركتْك الصلاة بعدُ فصلِّه؛ فإن الفضل فيه ) ) [1] .
قال ابن القيم في"زاد المعاد":
"وقد أشكل هذا الحديث على مَن لم يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان بن داود الذي بنى المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا من جهل القائل؛ فإن سليمان إنما"
(1) البخاري (3366) ، ومسلم (520) .