الصفحة 28 من 214

لم يكن غيفارا بطلًا لأنه قارع الظلم بشجاعة فحسب، لأنه جابه أعداء الشعب ببسالة، وبعزيمة لا ترهب الموت ولا تهاب التضحية مهما غلت، بل كان بطلًا لأنه كان قبل كل شيء مثال الثوري الكامل. كان مخلصًا لمثله الأعلى حتى النهاية مقدامًا لا يعرف التراجع، ذكيًا يحذق سياسة الأمور، متواضعًا لا يتسرب الخلل أو الهوى إلى نفسه، وكانت كبرياؤه الوحيدة هي الكبرياء الثورية، هذه التي تجعله قاسيًا لا يرجم حيال أعداء الثورة وأعداء الإنسان، وحيال جميع الأشياء أو الأهواء التي تعارض الثورة أو تسيء إليها، لكنه في الوقت نفسه رفيق طيب ودود لجميع أولئك الذين يشاركون في الثورة، أو يتوقون إليها، أو يتعرضون للظلم والاضطهاد من أية جهة كانت. ولعل هذا هو السبب في أن غيفارا كبر جدًا في عيون الثوريين والأنصار، في كوبا نفسها وفي جميع البلدان الأخرى، كبر حتى حَسِبَ بعض الناس أنه أضحى أسطورة، أو وهمًا يزعمون أن الثورة تنغذى به، وأنها لا تستطيع بدونه أن تستمر في البقاء. لا، إن غيفارا كبير لأنَّ إخلاصه لمبادىء الثورة كان كبيرًا، إن غيفارا كبير لأن إيمانه كان كبيرًا بالثورة التي لا حدود لها ولا وطن، الثورة التي ليست هي وقفًا على هذا البلد أو ذاك، وليست هي محصورة ضمن حدود هذا القطر أو ذاك، بل هي ثورة قائمة أبدًا، متصلة دون انقطاع، ولن ينطفىء لها لهيب حتى تطهر هذه الكرة الأرضية من كل رجس، وتطهر نفس الإنسان من كل دنس، فتكون بذلك قد قضت قضاء مبرمًا على العالم القديم والإنسان القديم، ووضعت الأسس المتينة الصلبة من اجل بناء العالم الجديد والإنسان الجديد. ولقد آمن غيفارا بهذه الثورة منذ تفتح وعيه على العالم، وظل وفيًا لها حتى أغمض عينيه الإغماضة الأخيرة، وأنكر من أجلها طبقته وماضيه والحياة الهانئة التي كان يمكن أن يحياها، وخلّف ذلك كله وراء ظهره ليرتمي في حمأة المعركة، وسلاحه المادي ضعيف واهٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت