الصفحة 29 من 214

لكن سلاحه الفكري والروحي جبار لا يقاوم.

كان أبوه مهندسًا معماريًا أرجنتيني التبعة، أي من تلك الطبقة البرجوازية الميسورة التي يمكن أن تتوفر لها جميع مسرات الحياة العصرية. ولقد أصيب أرنستو في طفولته الأولى بمرض الربو، الأمر الذي جعله موضع العناية الصحية الفائقة، هذه العناية التي تمرد عليها حين اشتد ساعده، فجعل يمارس مختلف ضروب الرياضة، حتى أشدها ارهاقًا، في محاولة للتغلب على ذلك المرض الذي يفرض عليه بعض القيود. ولعل هذا هو السبب في تفضيله دراسة الطب على أية دراسة أخرى، لأن الطب فن يمكن أن يخلِّص الإنسان من بعض القيود القاسية التي تفرضها عليه الطبيعة المناوئة. بيد أن مطالعاته علمته في تلك الأثناء أن ثمة قيودًا أقسى من سلاسل المرض، ومن أكبال الظروف الطبيعية المناوئة، قيودًا مادية تئيد على السواد الأعظم من البشر، وقيودًا روحية تكبل نفوسهم وتنأى بهم عن الطبيعة الإنسانية الحقيقية، قيودًا، طالعته من آلاف عيون الناس البائسين الجياع، العاطلين عن العمل، الرازحين تحت نير الكبت والاضطهاد، الطامحين إلى لقمة العيش وإلى الكرامة من وراء لقمة العيش. ولقد طالعه من قرار هذه العيون اليأس كله، والخوف كله، والذل كله، وطالعته في الوقت نفسه قوة لا تغلب، قوة عاتية، جبارة، ساحقة، سوف يتحول إليها اليأس والذل والخوف ذات يوم، وعندئذ لن يعترض أحد أو مشيء سبيلها. أليس ذلك ما حدث دائمًا في التاريخ، منذ أيام روما القديمة؟ أو ليس ذلك ما حدث مؤخرًا في روسيا حيث انقلب الخوف واليأس والذل إلى تلك القوة الجارفة التي اكتسحت عالم القياصرة العفن، وجعلت تبني على أنقاضه عالمًا جديدًا يبشر بالأمل، وبالحرية، وبالكرامة وبالغد السعيد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت