وإن غيفارا ليشعر إذًا أن مكانه ليس في بيت أبيه، ولا في عيادة يستقبل فيها المرضى كل يوم، ولا حتى في وطنه الأرجنتين حيث لا يستطيع أن يعمل شيئًا في الوقت الحاضر. إن"حياته تبدأ وراء الحدود"، ومكانه هو العالم الفسيح، وموطنه هو كل موضع في هذه الدنيا تحول فيه اليأس والخوف والذل على قوة تناضل في سبيل حياة أفضل ... و هذا هو في قلب المعركة، حيثما تحتدم، في تشيلي وفي كولومبيا، وفي بوليفيا وفنزويلا، وفي غواتيمالا حيث كان شعب صغير، رازح منذ مئات السنين تحت نير الاستعمار والاستعباد والاستغلال، قد صنع ثورة وهو يكافح عنها ضد قوى القارتين مجتمعة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية واحتكاراتها الغاشمة.
أجل، إن في قلبه نارًا تشتعل، تدفعه لأن يكون إلى جانب المظلومين، إلى جانب البائسين، إلى جانب المعذبين في الأرض. وهذا ما يعبر عنه في رسالة إلى والديه كتبها مؤخرًا:"وليس الحب الحقيقي الذي يرويني حب الوطن والزوجة والأولاد والأصدقاء، بل هو أكبر من ذلك كثيرًا، فهو الشعلة التي تحترق في باطن الملايين من بؤساء العالم المحرومين، شعلة البحث عن الحرية والحق والعدالة. إني أؤمن بأن النضال المسلح هو الطريق الوحيدة أمام الشعوب السامية إلى التحرر. ويعتبرني الكثيرون مغامرًا، وأنا مغامر حقًا، لكن من غير طراز أولئك المغامرين المنساقين وراء نزوات فردية عابرة. وإني أضحي بكل شيء من أجل الثورة والنضال المتصل".
وهكذا، حين سقط النظام الشعبي في غواتيمالا تحت الضربات الاستعمارية المهيأة بكل خبث، غادر غيفارا إلى المكسيك، ملجأ جميع الثوريين في أميركا اللاتينية، ومن هناك بدأت قصته مع فيدل كاسترو، واشتراكه في حملة غرانما التي نزلت على الشاطىء الكوبي، دوره في ملحمة سييرا مايسترا التي انتهت إلى اسقاط نظام باتيستا الدكتاتوري وإقامة نظام شعبي ثوري يسير بخطى حثيثة نحو الاشتراكية.