ولكي يتحلى هؤلاء الرجال بمثل هذه الصفات من إخلاص وحزم، تسمح لهم بالعمل في هذه الظروف المناوئة، ينبغي أن يكون لهم مثل أعلى. إن هذا المثل بسيط، مباشر، ليس فيه كبير ادعاء، ولا يرمي بعيدًا على وجه العموم، إلاَّ أنه على قدر من الحزم والوضوح يمكن معه التضحية بالحياة في سبيله، دون تردد. إنه لدى كافة الفلاحين تقريبًا، حق امتلاك قطعة أرض تخصهم لشغلها والاستمتاع بوضع اجتماعي عادل. إنه لدى العمال، الحصول على عمل وتقاضي أجر لائق، والاستمتاع أيضًا بوضع اجتماعي عادل. وتصادف لدى الطلاب وأهل المهن الحرة، أفكار أكثر تجريدًا، مثل الشعور بالحرية التي يكافحون من أجلها.
يحدو بنا كل ذلك إلى التساؤل: كيف يعيش المغاور؟ إن حياته النظامية هي أن يجوب الطرق. لنأخذ مثلًا مغاورًا في الجبل في منطقة شَجِرة، يطارده العدو باستمرار. تنتقل تشكيلة غوارية في هذه الظروف نهارًا، دون أن تأخذ وقتًا للطعام. ومتى تدانى الليل تحط الرحال في فرجة من الغاب، قرب مورد ماء، وفق التنظيم المعتاد، فتجتمع كل جماعة للطعام سوية، ومتى ران الليل تشعل النيران بما يتوفر لذلك.
يأكل المغاور متى استطاع، وكل ما يستطيع. تختفي وجبات خيالية في بطون المقاتلين، ويعانون أحيانًا أخرى صيام يومين أو ثلاثة دون هوادة في إجهادهم. إن سقف المغور هو السماء المكشوفة: وسوف يداخل بين السماء وبين شبكة نومه رقًا من النايلون كتيمًا للماء، ويضع تحت شبكته حقيبته وبندقيته ورصاصه التي هي كنوزه. يستحسن أحيانًا عدم نزع الأحذية خشية حدوث هجوم مفاجىء من العدو. الأحذية هي كنز آخر للمغاور ومن يملك زوجًا منها يضمن لنفسه حياة سعيدة في نطاق المصاعب اليومية.