هذا، وإنّ الثورةَ العلمية في القرن الأخير كانت ثورةً في كلِّ مجالات الحياة، حتى إنّ بعض العلوم قد ضَعُفتْ حتى انقرضت، وبعضها قَوِي حتى لكأنّه قد وُلِدَ مِن غير سابق مثال، فمِن أيِّ الفريقينِ عِلمُ الإجازاتِ وطُرُق التلقِّي؟
ربّما يُجيبُ البعضُ على عَجَلٍ بأنّ عِلم التلقّي والإسنادِ سيَقوى ويَنتعش، ولكنّ الجوابَ _والله أعلم_ لم يَتّضح بعدُ، فمِن الممكن أن نَشهَدَ انقراضًا لهذا العِلم في السنوات القليلة القادمة، ومن الممكن أن نَشهَدَ اهتمامًا متزايدًا ودخولًا لأعدادٍ هائلةٍ في هذا العِلم، لماذا؟ وما الدليل؟ الجواب سيتّضح بعد قراءة هذه الرسالةِ كاملةً إن شاء الله - عز وجل -.
لذلك فهذه الرسالةُ صرخةٌ عاليةٌ للتحذير مِن ضَعْف عِلم التلقّي، وهي _أيضًا_ دعوةٌ مِن غَيورٍ محِبٍّ لاستغلال الثورة العلمية الحديثة لتكونَ سببًا في بَعْثِ عِلمٍ تَفرَّد به المسلمون، ثم هي تذكيرٌ بالآداب الإسلاميةِ في التعامل مع وسائل الاتصال الحديث، وتنبيهٌ من أخطائها.
وبعد كلِّ هذا، أقول: إن عِلم الإسناد وطُرُقَ التلقّي مِن أهمّ مباحث علم المصطلح في عصرنا هذا، وقد تكلم أهل العلم من المتقدمين وأَسهبوا في تفصيل أنواع تلقّي الأخبار ما بين التلميذ وبين شيخه، سواء كان عن طريق السّماع ونحوه أم عن طريق الإجازة، وللإجازة أنواع كثيرة، وقد اختلف العلماء في كلّ نوع منها مِن حيث القَبولُ أو الردّ، فأصل الإجازات والتلقي هو سماع الصحابة الكرام مِن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وغيره أو روايتُهم لأيّ شيء أدركوه بحواسّهم، ثم الصحابةُ بلّغوا مَن بعدهم بالطرق نفسها، وبقيت هذه الطرقُ متداولةً حتى عصرنا الحالي، ولكن بعد عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم بدأتْ تظهرُ بعض الأنواع الجديدة للتلقي والرواية، حيث بدأ العلماء بتدوين مروياتهم في كتب مصنفة مثل موطأ الإمام مالك، وبدأت رواية هذه الكتب تُروَى على هيئة كتاب متكامل، فطلابُ العلم صاروا يقرؤون على مشايخهم الكتاب كما هو، ثم بدأت تظهر مرحلة عدم القراءة أو السماع