الأئمة لا يُجيزون أبدًا جَعْلَ الرؤى الثابتةِ عن الرائي الثقةِ مَصدَرًا مِن مَصادِرِ الأحاديث عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا مَصدَرًا مِن مصادرِ التشريع والحلال والحرام والجرح والتعديل وغيرها مِن أحكام الإسلام، فمثلًا: الخطيبُ البغداديُّ قد خَصّص بابًا بعنوان (ذِكرُ ما رآه الصالحون في المنام لأصحاب الحديث مِن الحِباء والإكرام) [1] ، ومِن الرؤى التي أخرجها فيه هذا المنامُ الذي فيه التنفيرُ مِن ثقةٍ!: قال حَوْثَرَةُ بن محمد المِنْقَرِي البصري [2] : رأيتُ يزيدَ بن هارون الواسطيَّ [3] في المنامِ بعدَ موته بأربع ليال، فقلتُ: ما فَعَلَ الله بكَ؟ قال:"تَقَبَّلَ الله مني الحسناتِ وتجاوزَ عني السيئاتِ، ووَهَبَ لي التَّبِعات". قلت: وما كان بعدَ ذلك؟ قال:"وهل يكون مِن الكريم إلاّ الكرمُ؟! غَفَرَ لي ذنوبي وأَدخلَني الجنة". قلت: بِمَ نِلتَ الذي نلت؟ قال:"بمجالس الذِّكر، وقولي الحقَّ، وصِدقي في الحديث، وطولِ قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر". قلت: ومنكر ونكير حقٌّ؟ قال:"إي واللهِ الذي لا إله إلاّ هو، لقد أَقعداني وسألاني، فقالا لي: مَن ربُّكَ؟ وما دينُك؟ ومَن نبيّك؟ فجعلتُ أنفُضُ لحيتي البيضاءَ مِن التراب، فقلت: مِثلي يسأل؟ أنا يزيد بن هارون"
(1) الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث، تحقيق: د. محمد سعيد خطيب أوغلي، الطبعة: بلا رقم، (أنقرة: منشورات كلية الإلهيات، بلا تاريخ) ، ص 106، وهذا رابط تحميل الكتاب:
(2) هو حوثرة بن محمد بن قديد المنقري، أبو الأزهر البصري الوراق، روى عن ابن عيينة والقطان وابن مهدي وغيرهم، وعنه ابن ماجه وابن خزيمة وزكرياء الساجي وابن جرير الطبري وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة 256 هـ، انظر تهذيب التهذيب 3/ 65.
(3) هو الإمام، القدوة، شيخ الإسلام، أبو خالد يزيد بن هارون بن زاذي السُّلمي مولاهم، الواسِطِي، الحافظ، سمع من: عاصم الأحول، ويحيى بن سعيد الأنصاري القاضي، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وبهز بن حكيم، وحَرِيز بن عثمان، وشعبة بن الحجاج، وإسماعيل بن عياش، وخلق كثير، وكان رأسًا في العلم والعمل، ثقة، حجة، كبير الشأن، حدث عنه: بقيّةُ بن الوليد -مع تقدمه- وعلي بن المديني، وأحمد ابن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وخلق كثير، قال علي بن المديني:"ما رأيت أحفظ من يزيد بن هارون". وقال يحيى بن يحيى التميمي:"هو أحفظ من وكيع". وقال أحمد ابن حنبل:"كان يزيد حافظًا، متقنًا"، توفي سنة 206 هـ، انظر سير أعلام النبلاء 9/ 358.