سماعُ الكلام لا يَعني بالضرورة أنه حقيقي: لقد تَنَبّه علماؤنا إلى أنّ سماع الصوت والكلام لا يَعني بالضرورة والحَتْمِ أنه صَدَرَ عن مخلوقٍ حقيقي [1] ، بل قد يكون صادرًا مِن آلاتٍ صَنَعَها الإنسان، قال الإمام القَرَافي:"والكلامُ قد يَحصُلُ مِن الجماد"، ثم ذَكَرَ بأنه لا يَكفي أن نَسمعَ الصوتَ فنقول: إنه لا بدّ مِن شخصٍ صاحبٍ لهذا الصوت؛ لأنّ الصوتَ يُصنَعُ في غير الإنسان. [2]
في الذي يَسمعُ الشيخَ مِن وراء حجابٍ: أي: الطالب الذي يجلس خلفَ ستارٍ فلا يرى وجه المحدِّث، بحيثُ يَسمعُ الطالبُ صوتَ المحدِّثِ إنْ قرأَ المحدِّثُ نفسُه، أو يَعلَمُ الطالبُ بوجودِ المحدِّثِ إنْ سَمِعَ المحدِّثُ عَرْضًا، قال الإمام النووي:"يَصِحُّ السماعُ ممّن هو وراءَ حجاب إذا عُرِفَ صوتُه إنْ حدَّثَ بلفظِه، أو حضورُه بمَسْمَعٍ منه إنْ قُرِئَ عليه، وينبغي أن يجوزَ الاعتمادُ في معرفة صوتِه وحضورِه على خبر مَن يُوثَقُ به، وعن شعبة: إذا حَدّثَ المحدِّثُ فلم ترَ وجهَه فلا تروِ عنه؛ فلعلّه شيطانٌ. وهذا خلافُ الصوابِ وخلافُ ما قاله الجمهور" [3] . فهذا الخلافُ البسيطُ يؤكّدُ على أهمية السماع مع رؤيةِ شَخْصِ المحدِّث، حتى لو حالَ بينَهما حائلٌ يَمنعُ الرؤيةَ فقط تَغَيَّرَت الأحكامُ عندَ مجموعةٍ مِن العلماء، وعليه أن يَتأكَّدَ مِن صوتِ الشيخ أو حضورِه بإخبارِ مَن يُوثَق به.
(1) يَظهَرُ جَلِيًّا لِمَن يُتابِع تَعامل طلاب العِلم مع مواقع التواصل الاجتماعي أنهم لا يُعيرون أيَّ اهتمام لاحتمال كونِ المُتكلِّم غيرَ حقيقي! بمعنى: أن طلاب العلم إنْ تكلّم الشيخُ فإنهم يَنقادون مباشرة إلى التعامل معه على أنه هو هو، فإذا كان علماؤنا بهذا الوعي والفَهم فكيف ينبغي أن نكون نحن بعد أن رأينا الآلات المسجِّلة والناقلة؟!
(2) القَرَافي، أحمد بن إدريس، نفائس الأصول في شرح المحصول، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، الطبعة الأولى، (الرياض: مكتبة نزار مصطفى الباز، 1416 هـ 1995 م) ، 1/ 439 حتى 442، وهذا رابط تحميل الكتاب:
(3) النووي، يحيى بن شرف، إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق - صلى الله عليه وسلم -، تحقيق: د. نور الدين عتر، الطبعة الثالثة، (دمشق: دار اليمامة، 1412 هـ، 1992 م) ، ص 127.