ضَبْطَ طلابه وتوثيق مرويّاتهم [1] ، ومَن أراد إدراكَ هذه المسألة من خلال شرحٍ مُطوَّلٍ لمثالٍ لها فلْيقرأ كتابَ عبد الفتاح أبو غدة (صفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين) [2] ، وسأنقلُ عنه هنا أهمَّ ثلاثة أمورٍ فَعَلَها الإمام أبو عَمرو بنُ الصلاح عندما أَسمَعَ طلابَه في دمشق في دار الحديث الأشرفيّة كتابًا كبيرًا جدًا، هو كتاب (السُّنَن الكبرى للحافظ أبي بكر البيهقي الشافعي) :
1 -ذِكْرُ أسماء جميع طلابِ الحديث [3] السَّامعين لكلِّ مجلسٍ من هذه المجالس، ويُعَرِّفُ ذَاكرُ الأسماءِ كلَّ طالبٍ سَمِعَ المجلسَ باسمه ولقبه وكُنيته ونسبه، ثم يَختِمُ بذِكر اسمه وأنّه ضَبَطَ الأسماء بخطِّ يده. [4]
2 -ضَبْطُ حالِ كلِّ طالبٍ في كلِّ مجلس من هذه المجالس، فيَذكُرُ مَن سَمِعَ المجلسَ بغير فَوَاتٍ، ومَن سَمِعَها بفَوَاتٍ، ومَن سَمِعَها مع نومٍ في بعضها، ومَن سَمِعَها مع إغفاءٍ أحيانًا، ومَن سَمِعَها وهو يَتحدَّثُ خلالَ السَّماع، ومَن سَمِعَها وهو ينسخُ خلالَ ذلك، ومَن سَمِعَ وقد جَمَعَ كلَّ هذه الأحوال! بل يَذكرُ بكاءَ ابن طالبة العِلم إنْ بكى [5] .
(1) لئن كان هذا سابقًا مِن بابِ الأفضلِ والأكمل، إلاّ أنه يجبُ _اليومَ_ أن يَضبطَه الشيخُ والطلاب سويًّا، وأن يكون أساسيًّا لاعتماد صحة الإجازة لأي طالب.
(2) المطبوع مع كتاب (الإسناد من الدين) ، وخاصة من ص 101 حتى ص 106، مع التعليق الهام في ص 104، والبقية المُلْحَقَة التي في ص 160.
(3) كانوا يَضْبِطون أسماءَ طلابِ العلم الحاضِرين بِقصد التّحمّل والأداء فقط، [مع بعض الأطفال المرجوّ مِنهم ذلك] ، وأمّا العوامّ الحاضرون بِقصد البركة ونحوِها فلا يَضْبِطون أسماءَهم، انظر التعليقَ القيّم في الإسنادُ مِن الدين ص 138 و 139، وفي هذا تَعليمٌ هامٌّ لنا في عصرنا: أنْ ننشر مجالس الإملاء على وسائل الإعلام قدْرَ استطاعتنا، ولكنْ لا يُعتَمَدُ السّماعُ إلاّ بحسب الضوابطِ لهذا السّماعِ المُحدَث.
(4) انظر مثلًا الإسنادُ مِن الدين ص 121 حتى 130، فكلُّها لتعداد الحاضرين في أحد مجالس الإملاء.
(5) أبو غدة، الإسناد من الدين، ص 130، وانظر التعليق فيها، وبقيتَه المُلحَقة ص 162.