والواسطةُ آلاتٌ وليست بشرًا، وما يَسمعُه الطالبُ هو صوتٌ مطابقٌ تمامًا لصوت المحدِّث قد صَنَعَتْه الآلاتُ وليس نفسَ صوت المحدِّث.
ثالثًا: الرد على أدلة المخالفين:
إنّ حقيقةَ السماع أو الرؤية لوسائل التواصل المباشر أنك تَرى رسمًا مشابهًا تمامًا للمحدِّث، وكذلك السماعُ، فإنك تَسمعُ صوتًا مشابهًا تمامًا لصوتِ المحدِّث، والحقيقةُ أنك لا تَرى نفسَ شخصية المحدِّث ولا تَسمعُ نفسَ صوتِه، وإنّ جميعَ العبارات التي استخدمها الخصمُ هي غيرُ صحيحة، والمقصودُ منها إثارةُ الحالة النفسية فقط، فعباراتُ (كلنا) (يشعر) (يعلم) (يقينًا) (نسمعه) (حقيقةً) (في نفس اللحظة التي أسمعه بها) (لا نجد أي فرق) .... إلخ كلُّها غيرُ صحيحة، وإنما هدفُها مسايرةُ ما نراه ونسمعه مِن تمثيلٍ للصورةِ والصوتِ وليس الحقيقة.
إنّ الاستشهادَ بالسّماع مِن المستملِي وقياسَ السماعِ منه على السماع مِن آلةِ التواصل الحديثة قياسٌ مع الفارق، وسببُ الغشاوةِ في الرؤيةِ _عندَ الاستشهادِ والقياسِ على المستملِي_ هو شدّةُ تأثّر طلابِ العلم اليومَ بما يَرونه ويَسمعونه عندَما يُشاهدون آلةَ التواصلِ المباشرِ الحديثة، ونكرِّرُ التأكيدَ على الفارق الجوهريّ بين النقل عبرَ وسيلةٍ إنسانيةٍ حيّةٍ وبين النقل عبرَ آلاتٍ جامدة، وإنّ ممّا يؤكِّد هذا الفارقَ أنّ أحدَ كبارِ العلماء المعاصِرين المخضرَمين _الذين أدركوا طويلًا وسائلَ التلقي القديمة ووسائلَ التواصل الحديثة_ أخبرنا بأنّه ثمة مجالسُ لابن الصلاح قد نُقِلتْ لنا عبرَ علماء ثقاتٍ وبالتفاصيل الكاملة، حتى إنّ الصورة تتكامل في أذهاننا وكأنّ هذه المجالسَ قد سُجِّلتْ بالآلات الحديثة ثم رأينا تسجيلَها عِيانًا، وهذا كلامُه أنقله حرفيًّا رغم طوله، قال عبد الفتاح أبو غدة:"هذه رسالةٌ لطيفةٌ سميتُها: (صفحة مشرقةٌ من تاريخ سماع"