قد اقتضت أن يكون نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أمّيًّا لا يقرأ ولا يكتب. قال الله عز وجل: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] وكل مصادر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم متّفقة تمامًا على هذه النقطة، ولكنَّ هؤلاء المستشرقين كعادتهم يخرجون علينا بما ليس في جميع الكتب التي هي مَعِينهم ومصادر معلوماتهم، كما أسلفتُ. ولهذا فإنّهم يقعون في أخطاء لم يقع في مثلها من عاش في الجاهلية الجهلاء. فأعداء القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وإن كانوا أقل من المستشرقين ثقافةً، إلاّ أنّهم أكثر منهم دقّةً وإنصافًا. فهم لما وجهوا اتّهامهم صوب القرآن الكريم قالوا (( اكتتبه ) )محمّدٌ [1] ، ولم يقولوا (( كتبه ) )، اعترافًا منهم وإقرارًا بأنَّه لا يقرأ و لا يكتب، وهم -بلا ريب- يعرفون عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما يعرفه أيّ مستشرق [2] .
هذا، وهناك رهطٌ قليل من المستشرقين وجدوا أنَّ هذه الحقيقة التاريخية أوضح من أن تُنكر، فاعترفوا مشكورين - ولو مضطّرين- أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ولا كان يكتب، بل كان كما وصفه القرآن: (( نبيًّا أمّيًّا ) ) [3] . ومن هؤلاء: هنري دي كاسترى (H. de Castries) الذي قال في كتابه (( الإسلام: سوانح وخواطر ) ): (( إنّ محمّدًا ما كان يقرأ ولا يكتب، بل كان كما وصف نفسه مرارًا نبيًّا أميًّا. وهو وصف لم يعارضه فيه
(1) وذلك ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] . وراجع تفسير الآية في: زاد المسير لابن الجوزي، وتفسير البغوي، وغيرهما.
أما عن الرد على زعم هؤلاء الجاهليين أيضا فراجع ما تقدّم من المناقشة الإجمالية في ص 27.
(2) انظر: قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية، للدكتور فضل حسن عبّاس ص 195.
(3) راجع: Ali, M.M. Op.cit , p 15.