نتائج البحث عن (الصَّلِيب) 50 نتيجة

(الصَّلِيب) الشَّديد الْقوي والخالص النّسَب يُقَال هُوَ عَرَبِيّ صَلِيب والمصلوب والودك وكل مَا كَانَ على شكل خطين متقاطعين من خشب أَو مَعْدن أَو نقش أَو غير ذَلِك وَمَا يصلب عَلَيْهِ و (عِنْد النَّصَارَى) الْخَشَبَة الَّتِي يَقُولُونَ إِنَّه صلب عَلَيْهَا الْمَسِيح (ج) صلب وصلبان والصليب الْأَحْمَر جمَاعَة دولية تعْمل على تَقْدِيم خدمات إنسانية فِي المحن والشدائد الْعَامَّة
(الصليبيون) جيوش من نَصَارَى أوربة غزت الشرق الإسلامي مرَارًا فِي أثْنَاء الْقُرُون الْحَادِي عشر وَالثَّانِي عشر وَالثَّالِث عشر بِدَعْوَى تَخْلِيص بَيت الْمُقَدّس وَمَا حوله
الصّليب:[في الانكليزية] Cross [ في الفرنسية] Croix هو ما يعلّقه النصارى على صدورهم. وفي الاصطلاح: شكل يتألّف من تقاطع خطّ المحور وخطّ الإستواء في الفلك. ويقال له: صليب الأفلاك والصليب الأكبر.

وفي المؤيّد: هو تقاطع الميل الشمالي مع الميل الجنوبي، وتقاطع فلك التدوير يمكن أن يقال أيضا. كذا في كشف اللغات. وفيه أيضا والصليبي: هو خطّ له أربعة زوايا، وقيل ثلاثة، وقيل هيئة من تقاطع خطّ الإستواء مع خط المحور
الصُّلَيْبُ:
بلفظ تصغير الصلب، وقد تقدم اشتقاقه:
جبل عند كاظمة كانت به وقعة بين بكر بن وائل وبني عمرو بن تميم، قال المخبّل السعدي:
غرد تربّع في ربيع ذي ندى ... بين الصّليب فروضة الأحفار
وقال الأعشى:
وإنّا بالصّليب وبطن فلج ... جميعا واضعين به لظانا
الصَّليب: شيء مُثلَّث كالتِمثل تعبده النصارى، والتصليب: تصوير الصَّليب وجمعه التصاليب.

تحفة الأريب، في الرد على أهل الصليب

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تحفة الأريب، في الرد على أهل الصليب
لعبد الله بن عبد الله الترجمان، وكان من أفاضلهم.
ولما أسلم أراد أن يبين أباطيل نواميسهم، وتناقض أناجيلهم، وفساد عقولهم، بالنقل والعقل، فبدأ بذكر بلده، ومنشئه، ثم رحلته، ودخوله في الإسلام في عصر أبي العباس: أحمد، صاحب تونس، وابنه: أبي فارس عبد العزيز.
وبين مقصود الكتاب في: تسعة أبواب.
وفرغ: سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.

الصهيونية - تاريخ الصهيونية - الإرهاصات الصهيونية الأولى حملات الفرنجة الصليبيين

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الصليبيون (الفرنجة)
‏The Crusaders
«الصليبيون» ترجمة لكلمة «كروسيدرز Crusaders» المشتقة من كلمة «كروس cross» ، ومعناها «صليب» . وهي عبارة تُستخدَم في الخطاب السياسي والتاريخي في الغرب للإشارة إلى الفرنجة الذين شنوا عدة حملات على العالم العربي والإسلامي في القرن الثاني عشر، وقد تَبنَّى كثير من العرب المحدثين هذا المصطلح. ونحن نستخدم في هذه الموسوعة عبارة «حروب الفرنجة» للإشارة إلى الحملات الغربية التي جُرِّدت ضد الشرق الإسلامي لنهبه، ولم تكن المسيحية سوى ديباجة سطحية استخدمها الغزاة ولا علاقة لها برؤيتهم للكون، ونستخدم عبارة «حملة صليبية» للإشارة إلى الحملات التي كانت تُجرِّدها الكنيسة ضد فرق المهرطقين في جنوب فرنسا وغيرها من المناطق، فهذه حملات كانت تتم باسم المسيحية ولصالحها. ونحن نعتبر حملات الفرنجة تعبيراً عن الإرهاصات الصهيونية الأولى.
حملات الفرنجة والجماعات اليهودية في غرب أوربا وفلسطين
‏The Crusades and the Jewish Communities in Western Europe and Palestine
تُسمَّى «حروب الفرنجة» في الخطاب الغربي «الحروب الصليبية» نسبة إلى الصليب. وهو مصطلح يُطلَق على الحروب التي شنها حكام أوربا المسيحية الإقطاعية لاحتلال فلسطين إبان العصور الوسطى. وهي حروب كانت تساندها حركة سياسية واجتماعية ضخمة قادتها النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء) ووجدت صدى عميقاً لدى الجماهير الشعبية التي انضمت إليها بأعداد ضخمة لم تضعها النخبة الحاكمة نفسها في الحسبان.

ويرى د. سعيد عاشور أن الفرنجة أو من يقال لهم «الصليبيون» هم من جموع المسيحيين الغربيين الكاثوليك الذين خرجوا من بلادهم في شتى أنحاء الغرب الأوربي، واتخذوا الصليب شعاراً لهم لغزو ديار الإسلام، وبخاصة منطقة الشرق الأدنى وبلاد الشام حيث الأراضي المقدَّسة. ومعنى هذا أن المسيحيين الشرقيين من روم وأرمن وسريان وأقباط ونحوهم لا يدخلون في دائرة مصطلح «الصليبيين» لأن هؤلاء من أهل البلاد (وليسوا وافدين عليها من الخارج) ربطتهم بالأرض التي ينتمون إليها روابط أصيلة جذرية ترجع إلى ما قبل الإسلام. وعاش معظمهم قبل الحركة الصليبية تحت مظلة الإسلام يتمتعون بما كفلته لهم هذه الديانة من حقوق ويؤدون ما فرضته عليهم من واجبات. ومن ثم نفضل استخدام مصطلح «فرنجة» في هذه الموسوعة بدلاً من «الصليبيين» . ولكننا نستخدم مصطلح «صليبيين» أحياناً للإشارة إلى الحملات الصليبية التي جرَّدتها الكنيسة ضد الهرطقات المختلفة، أو للتعبير عن المنظور الغربي لحملات الفرنجة.
وتشير المصادر المعاصرة إلى الصليبيين باعتبارهم «الفرنجة» أو «الفرنج» . وهذا يعود إلى أن المكون البشري لهذه الحركة الاستيطانية الغربية لم يكن متجانساً عرْقياً، ورغم هذا فإن الفرنجة سكان بلاد الغال (غاليا) التي عُرفت فيما بعد باسم «فرنسا» كانوا أكثر إقبالاً من غيرهم على المشاركة في الحركة الاستيطانية. وتشير بعض المصادر اليهودية إلى الفرنجة بكلمة «إشكناز» وهي الكلمة التي استُخدمت فيما بعد للإشارة إلى يهود أوربا، خصوصاً ألمانيا وبولندا.

وحروب الفرنجة جزء من المواجهة التاريخية العامة بين الحضارة الغربية وحضارة الشرق الأدنى والتي تعود بجذورها إلى بداية ظهور الحضارة الغربية نفسها حين وصلت شعوب البحر (الفلستيون) من كريت وبحر إيجة إلى ساحل مصر، ثم استقروا في ساحل أرض كنعان بعد أن صدهم المصريون. وحينما هيمن الفرس على الشرق الأدنى، أخذت المواجهة شكل اشتباك عسكري بينهم وبين الدول المدن اليونانية التي صدت الغزو الفارسي. ثم قام الإسكندر الأكبر بغزو الشرق وأسس الإمبراطورية اليونانية التي انقسمت إلى ثلاث امبراطوريات بعد موته. كما هيمن الرومان بعد ذلك على معظم الشرق الأدنى القديم. وقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: الإمبراطورية الشرقية (البيزنطية) ، والامبراطورية الغربية. ومع وصول الإسلام وقيامه بفتح المنطقة وتوحيدها، وتحويله البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة عربية إسلامية، انحسر نفوذ العالم الغربي وأصبح محصوراً داخل القارة الأوربية. بل إن الجيب البيزنطي المتبقي على أرض الشرق في آسيا الصغرى كان قد بدأ يقع تحت هجمات السلاجقة وهي الهجمات التي أدَّت في نهاية الأمر لسقوط الدولة البيزنطية، وكذلك القسطنطينية، على يد العثمانيين. وقد هُزم جيش بيزنطي بقيادة الإمبراطور رومانوس ديجينيس هزيمة ساحقة على يد السلاجقة بقيادة ألب أرسلان في مانزيكريت في أرمينيا. ثم استمر التوسع السلجوقي، فتم الاستيلاء على أنطاكية عام 1085، الأمر الذي اضطر الإمبراطور أليكسيوس كومنينوس إلى أن يطلب العون من الغرب حيث لم يجد آذاناً صاغية وحسب بل شهية مفتوحة. ويعود هذا إلى مركب من الأسباب المادية والمعنوية:

1 ـ يُلاحَظ أن الاقتصاد الغربي بمعظم مؤسساته تساقط على أثر سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية وتردَّى إلى حالة من الاقتصاد البدائي والطبيعي. ولكنه بدأ يصحو من كبوته ابتداءً من القرن التاسع الميلادي، فشهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة شيئاً من الانتعاش الاقتصادي، وكانت هناك محاولات ترمي لزيادة الرقعة الزراعية عن طريق اجتثاث الأشجار وتسهيل حركة التجارة وتنظيم الأسواق الدولية والمحلية. وقد ساعدت تلك الحروب بدورها على هذا الانتعاش الاقتصادي، ذلك أن التاجر المسيحي تبع المقاتل الفرنجي بعد أن ترك كثيراً من خوفه من الطرق المجهولة وعاد بالسلع من الشرق بعد أن كان التاجر اليهودي يحتكر هذه العملية تقريباً من خلال شبكة الاتصالات الدولية اليهودية الخاصة به. كما أن الملوك والنبلاء والفرسان العائدين استعذبوا مذاق السلع الترفيهية الشرقية وهو ما كان يعني ظهور سوق لها في الغرب ونشاط للتجارة الدولية.

2 ـ تزايد نفوذ المدن الإيطالية التجارية بخاصة البندقية وجنوا وبيزا، وأصبح لها أساطيلها التجارية الضخمة التي فكت الهيمنة الإسلامية على البحر الأبيض المتوسط. وقام الجنويون والبيزيون بطرد المسلمين من قواعدهم في جنوب إيطاليا وجزيرة كورسيكا في القرن العاشر الميلادي، وهيمنوا على غربي المتوسط في القرن الحادي عشر الميلادي. بل حاولت المدن الإيطالية تأمين موطئ قدم لها على ساحل المتوسط ذاته، فعبأت كل من جنوة وبيزا أسطولاً هاجم تونس عام 1087، واضطر أمير تونس بعدها إلى أن يفرج عن الأسرى المسيحيين وأن يدفع تعويضاً ويعفي التجار الجنويين والبيزيين من ضرائب الاستيراد. وكان لمدينة البندقية نشاطها أيضاً، فقد هيمنت على البحرين الأدرياتيكي والإيجي في بداية القرن الحادي عشر الميلادي ووصلت إلى البحر الأسود. ولا شك في أن حروب الفرنجة ساهمت في العملية المتصاعدة الهادفة إلى فك الحصار الذي فرضه المسلمون على تجارة الشرق، وأعطت المدن الإيطالية موطئ قدم في مواقع مهمة من شرق المتوسط. وقد حصلت هذه المدن على امتيازات وتسهيلات تجارية ضخمة داخل الممالك الخاضعة للفرنجة في الشام وفلسطين.
3 ـ يُلاحَظ أن أوربا شهدت تزايداً في عدد السكان مع نهاية القرن العاشر الميلادي واستمر التزايد حتى القرن الثالث عشر الميلادي وهو تزايد لم تواكبه بالضرورة زيادة في الرقعة الزراعية، ومن هنا بدأت السلطات الدنيوية في تحريم امتلاك اليهود للأراضي الزراعية وهو حظر طُبِّق على الكنائس والأديرة.

4 ـ يدور النظام الإقطاعي الغربي حول نشاطين أساسيين: الزراعة والقتال. وكما بيَّنا، كان النظام الإقطاعي يواجه تَناقُص الرقعة المزروعة. ومن القواعد الأساسية في الإقطاع الغربي أن الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الضيعة، أما بقية إخوته فلم يكن أمام أيٍّ منهم فرصة سوى محاولة البحث عن وريثة غنية يقترن بها، أو أن ينخرط في سلك الكنيسة أو يتوجه إلى المهن الأخرى مثل القتال.
5 ـ كان هناك ما يشبه المجاعة في غرب أوربا، وخصوصاً في فرنسا، من القرن العاشر حتى أواخر القرن الحادي عشر الميلاديين. وربما كانت هذه المجاعة وراء النشاط الاقتصادي الذي شهدته الفترة، وكذلك سوء حال الفلاحين والأقنان. وتُشكِّل الحروب والمشاريع الاستيطانية وسيلة تقليدية للتخلص من العناصر المشاغبة التي لا مكان لها في المجتمع (من نبلاء بلا أرض، إلى تجار يبحثون عن مزيد من الأرباح، وفلاحين جوعى ومجرمين ولصوص) وذلك حتى يحقق المجتمع الغازي استقراراً اجتماعياً داخلياً. ويبدو أن عدد الأطفال غير الشرعيين كان يتزايد في أوربا، وكانت حروب الفرنجة وسيلة للتخلص منهم، وقد أخذت إحدى الحملات التي خرجت من أراجون عام 1269 اسم «حملة الأطفال غير الشرعيين» .
6 ـ تمتعت أوربا بشيء من الاستقرار السياسي، وتزايدت إمكاناتها ومقدرتها على تجريد حملات ضخمة كما بدا بوضوح مع الفتح النورماندي لإنجلترا وإيطاليا وصقلية في بدايات القرن الحادي عشر، وقد تزايدت حدة حركة استرداد إسبانيا في القرن الحادي عشر الميلادي حين قام ألفونسو السادس (من ليون) بالاستيلاء على طليطلة عام 1085. وابتداءً من القرن العاشر الميلادي، بدأ التوسع الألماني نحو الشرق والشمال وهي حركة لم تتوقف إلا في القرن الثالث عشر الميلادي.

7 ـ حدث بَعْث ديني حقيقي في بداية القرن العاشر الميلادي. ويمكن القول بأن حروب الفرنجة تعود إلى ما يُسمَّى «الإصلاح الكلوني» وهي حركة إحياء دينية بدأت عام 910 في مدينة كلوني بفرنسا، وأكدت تَفوُّق سلطة الكنيسة على السلطة الدنيوية. وقد تزامنت حروب الفرنجة مع المجامع اللاترانية الأربعة في أعوام 1123، 1139، 1179، 1215 على التوالي. وهي المجامع التي بلورت موقف الكنيسة من عدة قضايا، منها تحريم الربا وتحديد وضع اليهود وكثير من علاقات الكنيسة بالسلطة الدنيوية. ولعبت الكنيسة دوراً أكثر نشاطاً في الحياة الدنيوية، وأخذت تؤكد نفسها بشكل أكثر جرأة. وقد أُعيدت صياغة البنية الكهنوتية وهو ما سمح للبابوات بأن يلعبوا دوراً أكثر فعالية. ووجدت الكنيسة في حروب الفرنجة فرصة مواتية لزيادة نفوذها وتسريب طاقة الأمراء والملوك القتالية إلى الشرق، ولتحقيق السلام والاستقرار في الغرب المسيحي. ومما له دلالته أن مجلس كليرمون (عام 1095) ، الذي اتخذ القرارات التي بدأت حملات الفرنجة على الشرق، جدد ما يُسمَّى «هدنة الرب» في الغرب! وقد وجدت الكنيسة الرومانية أن تجريد حملة تحت سلطتها، لمساعدة الدولة البيزنطية، قد يسرع بتحقيق حلم روما القديم بإخضاع الكنيسة البيزنطية.

8 ـ شهدت الفترة التي سبقت حروب الفرنجة تزايد حركة الحج. وكانت أهم المزارات روما حيث يُوجد ضريح لكلٍّ من بطرس وبولس، وكذلك ضريح سنتياجو دي كومبوستلا في شمال غربي إسبانيا. ولكن أهم المزارات جميعاً كانت هي القدس حيث تضم كنيسة القيامة. ولم يكن الحج عملاً من أعمال التقوى وحسب، وإنما أصبح وسيلة للتكفير عن الذنوب. بل كان القساوسة يوصون، في بعض الأحيان، بالحج لمن يرون أنه اقترف إثماً فاحشاً. وكان الحجاج يرجعون بقصص عن مدى ثراء الشرق، كما أنهم كانوا يتحدثون أيضاً عن المتاعب التي تجشموها والأهوال التي لاقوها. ولا شك في أن حديثهم هذا كان له أساس من الصحة حيث إن المنطقة لم تكن تنعم بالهدوء أو الاستقرار، وخصوصاً أن السلاجقة كانوا قد بدأوا في شن هجومهم على الدولة البيزنطية. ولكن مما لا شك فيه أنه كان هناك عنصر مبالغة، فالعائدون كانوا يريدون إبراز بطولتهم، وكان الوجدان الشعبي يتلقف هذه القصص ويضخمها، وخصوصاً أن المستوى الثقافي لجماهير أوربا آنذاك كان متدنياً إلى أقصى حد.
9 ـ يبدو أن حركة استرداد إسبانيا من المسلمين، وتَفاعُل المسيحيين مع المسلمين إبان حرب الاسترداد، قد تركا أثرهما في الرؤية المسيحية للحرب، إذ تأثر العالم المسيحي بفكرة الجهاد الإسلامي، فبدا أن الحرب للدفاع عن المجتمع المسيحي، ولاسترداد القدس، ليست حرباً عادلة وحسب وإنما حرب مقدَّسة أيضاً. ويبدو أن نشوء جماعات من الرهبان المحاربين مثل فرسان الهيكل وفرسان الإسعاف (الداوية والإسبتارية) هو صدى لفكرة المرابطين الإسلامية.

10 ـ من الأفكار المسيحية الشعبية الراسخة، ما يُطلَق عليه العقائد أو الأحلام الألفية، وتتمثل هذه الأفكار في الإيمان بأن الدورة الكونية أو التاريخية تستغرق ألف عام في العادة، وأن عام ألف أي بداية القرن الحادي عشر الميلادي سيشهد نهاية العالم والتاريخ، كما سيشهد عودة المسيح. وقد سادت هاتان الفكرتان أوربا في العصور الوسطى، وهما من الأفكار التي ازدادت شيوعاً إبان تفاقم الأزمات الاجتماعية وازدياد البؤس بين الجماهير. ويقول العلماء إن تاريخ نهاية العالم لم يكن محدداً بهذه الدقة، وأن الأحلام الألفية استمرت خلال القرن الحادي عشر الميلادي كله وحتى بعد ذلك التاريخ. ومن الأساطير الألفية التي شاعت أن الإمبراطور الأخير سيكون هو ملك الفرنجة خليفة شارلمان، وأنه هو الذي سيقود المؤمنين إلى القدس لينتظر العودة الثانية للمسيح ليؤسس مملكة السلام والعدل ويحكم العالم من صهيون، أي القدس، وما القدس الدنيوية سوى رمز للقدس الأخروية!
11 ـ واجهت الكنيسة، ابتداءً من القرن الحادي عشر الميلادي، ظهور هرطقات في جنوب فرنسا، فظهر الكاثاري في بداية الأمر ثم تبعهم أصحاب الهرطقة الألبيجينية. وهذه الجماعات كانت جماعات ثنوية تؤمن بوجود إلهين: إله الخير وإله الشر. وكان بعضهم يذهب، شأنه شأن الغنوصيين، إلى أن هذا العالم من خلق الإله الصانع (الشرير) ، كما كانوا ينزعون منزعاً واحدياً روحياً ينكر أية حقيقة للمادة. وقد جردت الكنيسة أول حملة صليبية ضدهم عام 1208، وتبع ذلك تأسيس محاكم التفتيش الرومانية (مقابل محاكم التفتيش الإسبانية) عام 1233. ولا شك في أن أحساس الكنيسة بأنها مهددة ساهم في تصعيد حمى الحرب.

وقد استخدمنا كلمة «مركب» للإشارة إلى الأسباب التي أدَّت إلى حروب الفرنجة حتى لا نتوهم أن هناك بنية تحتية من الدوافع الاقتصادية والاجتماعية تغطيها قشرة من الأكاذيب أو التبريرات الدينية. فالنفس البشرية لا تتحرك بهذه الطريقة الآلية إذ تتداخل في عقل الإنسان أنبل الدوافع وأكثرها خسة في آن واحد، فالفلاح المسيحي الذي حمل صليبه وفأسه كان مدفوعاً برغبة دينية حقيقية، وإن كان هذا لا ينفي أيضاً وجود دوافع مادية. فهو حين كان يفعل ذلك، كان يهرب من الفاقة والدَّيْن ويحمل في وجدانه أحلام الثراء والخلاص.
وحين دعا البابا إربان الثاني (1088 ـ 1118) ، وكان فرنسياً (أي من الفرنجة) لمجلس في كليرمون في 18 نوفمبر 1059، حضره أساقفة من جنوب فرنسا، كما حضره آخرون من شمالها ومن أماكن أخرى. وألقى البابا خطاباً أشار فيه إلى بؤس الكنيسة البيزنطية، وتهديد الحجاج المسيحيين، وتدنيس الأماكن المقدَّسة. وحث هؤلاء الذين يعكرون السلام في الغرب على أن يوجهوا قواهم القتالية لخدمة غرض مقدَّس، كما أشار إلى إمكانات الحصول على الثروة من أرض تفيض باللبن والعسل، فصاح الجميع باللاتينية «ديوس وولت deus volt» ، أي «الله يريد ذلك» . ثم تتالت الأحداث وجاء المتطوِّعون من كل أنحاء أوربا، ولكنهم جاءوا أساساً من الأراضي الفرنسية وشبه الفرنسية مثل اللورين وجنوب إيطاليا وصقلية. ولكن، لماذا كان أعضاء الجماعات اليهودية بالذات هدفاً أساسياً لهجمات الفرنجة؟

لا يمكن تفسير هذه الظاهرة إلا بالعودة لمركب آخر من الأسباب. وقد أسلفنا الإشارة إلى الطابع الشعبي لحملات الفرنجة وكيف انضم إليها المعدمون والفقراء. فهذه العناصر الشعبية لم يكن من الممكن التحكم فيها وضبطها كما هو الحال مع الجيوش النظامية. ولكن، وهذا هو الأهم، لابد أن نتذكر أن وجود الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي الوسيط كان يستند إلى مواثيق تمنحهم الكثير من المزايا باعتبارهم أقناناً تابعين للخزانة الملكية. فهم، إذن، كانوا جزءاً من الطبقة الحاكمة أو جماعة وظيفية وسيطة تابعة للحاكم تمتص الأموال الزائدة في المجتمع عن طريقها. ورغم أن اليهود لم يراكموا ثروات حقيقية إذ أن الأموال التي كانوا يجمعونها كانت تصب كلها في الخزانة الملكية (باعتبار أنهم وكل ما يملكون ملكية للملك) ، إلا أن آليات الاستغلال في المجتمع الوسيط لم تكن واضحة، على الأقل بالنسبة إلى الجماهير الشعبية، وكان اليهودي هو الجزء الواضح والمباشر والمتعيِّن في عملية الاستغلال. كما أن اليهودي، على عكس النبيل الإقطاعي أو الإمبراطور، كان قريباً من هذه الجماهير حيث يمكنها الوصول إليه في الجيتو رغم أنه كان موضوعاً تحت الحماية الملكية. كما أنه كان أحياناً مباحاً، بمعنى أن الحماية الملكية كانت تُرفَع عنه ويُلقَى به كبش فداء للجماهير. ويُلاحَظ أن اليهود كانوا يشكلون أحياناً عنصراً غريباً لا من الناحية الطبقية أو الدينية وحسب وإنما من الناحية الإثنية أيضاً.

وكما أسلفنا، فقد سبقت حروب الفرنجة بعث اقتصادي، وظهور الجمهوريات الإيطالية وقوى بورجوازية مسيحية أخرى (دولية ومحلية) بدأت تُزاحم اليهود وتحاول الحد من قوتهم. فمنعت البندقية، قبل حروب الفرنجة، نَقْل التجار اليهود على سفنها، كما اتخذت العصبة الهانسية إجراء مماثلاً للحد من التجارة اليهودية. وقبل أن يحل القرن الثاني عشر الميلادي سُنَّت قوانين تحد من نشاط اليهود التجاري في الداخل.
ومن الحقائق التي تستحق الذكر أن كبار المموِّلين اليهود قد اشتركوا في تمويل بعض حملات الفرنجة عن طريق إقراض الملوك أو النبلاء الإقطاعيين الذين اشتركوا في تلك الحملات أو قاموا بتجريدها. وقد اضطر هؤلاء إلى رهن ضياعهم لدى المرابين اليهود لتدبير الأموال اللازمة. كما أن كثيراً من صغار النبلاء بل بعض الحرفيين والتجار كانوا مدينين لليهود. لكل هذا، كان من مصلحة كثير من القطاعات الاقتصادية الهجوم على اليهود كوسيلة للتخلص من الأعباء المالية، ويرجع ذلك إلي أن الكنيسة كانت إما تجمد الفوائد على الديون أو تلغيها كليةً بالنسبة لمن يشترك في الحملة وذلك كنوع من المساهمة في عملية التعبئة. ومن هنا، كان الشعار الذي طرحه الفرنجة هو أن حملاتهم لابد أن تبدأ في أوربا ضد اليهود.

وقد أشرنا إلى الصراع بين الكنيسة والسلطة الحاكمة الدنيوية من قبل. ورغم أن علاقة الكنيسة بالطبقة الحاكمة كانت وثيقة، ورغم أن الكنيسة كانت تُزوِّد اليهود بالحماية، فإن ثمة مسافة كانت تفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، وكثيراً ما كان اليهود يشكلون رقعة الصراع. فكانت الكنيسة، لتزيد من شرعيتها وتقوِّض شرعية السلطة الدنيوية، تهاجم اليهود برغم حمايتها لهم. وهذا لا يتناقض بتاتاً مع موقف الكنيسة الذي كان ينبع من مفهوم الشعب الشاهد الداعي إلى ضرورة حماية بقاء اليهود كجماعة دينية عاصرت منشأ الكنيسة وتحمل العهد القديم الذي يتنبأ بمقدم المسيح، وبذلك تقف شاهداً على صدق الكنيسة. ولكن أعضاء هذه الجماعة يجب أن يظلوا، مع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، في حالة ضعة دائمة ليقفوا شاهداً على عظمة الكنيسة. لكن الهجوم المسيحي الحقيقي قاده صغار رجال الدين من رهبان فقراء ووعاظ جائلين، أي قادة المسيحية الشعبية الذين كانوا يتصرفون حسبما يمليه عليهم المنطق المطلق للخطاب الديني الذي صاغته المسيحية الحاكمة، ومن هنا سادت فكرة أنه إذا كان الهدف من الحملات هو استعادة القدس والقضاء على الكفرة في أقصى بلاد الأرض، فلم لا نبدأ بتنظيف منزلنا من قتلة المسيح؟

وثمة عنصر مهم مرتبط بسابقه لا تذكره الأدبيات الغربية في الموضوع، وهو ارتباط اليهود بالمسلمين في الوجدان الغربي آنذاك، فأكثر من نصف يهود العالم كانوا موجودين داخل التشكيل الحضاري الإسلامي. كما أن ثقافة الجماعات اليهودية داخل هذا التشكيل كانت ثقافة عربية إسلامية، وكان الفكر العقلاني الإسلامي قد ترك أثراً عميقاً في الفكر الديني اليهودي الذي وصل إلى قمته في أعمال موسى بن ميمون. وقد وجدت هذه الأفكار طريقها إلى كتابات اليهود في الغرب ومنها إلى الفكر الديني المسيحي، وقامت مناظرات بشأنها حتى قبل موسى بن ميمون. وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه العقلانية تهدد الإيمان الديني من أساسه، وبالتالي كان يُنظَر إلى اليهود على أنهم أداة الفكر الإسلامي. كما أنه إبَّان عملية فَتْح الأندلس، ثم بعد ذلك إبَّان استردادها على يد الإسبان (وهي عملية بدأت قبل حروب الفرنجة واستمرت بعدها) ، كانت هناك قطاعات كبيرة من الجماعة اليهودية تقف إلى جوار المسلمين، سواء مع الفتح الإسلامي أو ضد الغزو المسيحي، وتعمل كجواسيس لصالح المسلمين (والعكس صحيح أيضاً) . كما أن من الثابت الآن أن بعض أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا يعملون جواسيس لصالح العالم الإسلامي، وكانوا يزودونه بالمعلومات عن حجم التجهيزات العسكرية الفرنجية. لكن الوجدان الشعبي يروِّج دائماً لجزء من الحقيقة. وانتشرت الاتهامات بأن اليهود يخونون المسيحيين لصالح المسلمين منذ القرن التاسع المبلادي. وبالإضافة إلى كل هذا، كان يُنظَر إلى كلٍّ من المسلم واليهودي، من منظور مسيحي مطلق، على أنهما كافران لأنهما يرفضان عقيدة التثليث. بل إن هناك كتابات مسيحية وسيطة تتهم المسلمين بصلب المسيح. وهناك رسوم لحادثة الصلب وقد وقف النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) وهو يضرب المسيح. ويجب أن نضيف أن محاولة الكنيسة القضاء على الهرطقات في جنوب فرنسا زادت الحمية والغيرة ضد اليهود

واليهودية.
لكل هذا، كان من المتوقع أن تهاجم قوات الفرنجة الجماعات اليهودية في الغرب، وهذا ما حدث بالفعل في فرنسا واللورين وحوض الراين، ثم في بوهيميا وأخيراً إنجلترا. وقد جُرِّدت الحملة الأولي (1096 ـ 1099) التي دعا إليها إربان الثاني في مؤتمر كليرمون، وهي الحملة الوحيدة التي حققت بعض النجاح لأنها أخذت المسلمين على حين غرة. وقد بدأت الحملة بما يُسمَّى «حملة الفلاحين الشعبية» التي قادها بطرس الراهب والفارس ولتر المفلس، وقد ضمت في صفوفها حشداً كبيراً من الفلاحين وصغار الفرسان بلغ ما بين 15 و 20 ألفاً اتجهوا إلى القسطنطينية ومنها إلى الأراضي المقدَّسة. ولكن جيشاً تركياً تصدى لهم في آسيا الصغرى وسحقهم عام 1096 وقتل أعداداً كبيرة منهم وأسر أعداداً أخرى بيعت رقيقاً. وقد جُرِّدت بعد ذلك حملة الأمراء التي استفادت من حملة الفلاحين حيث تَوهَّم الأتراك، بناءً على تجربتهم مع جيش الفلاحين، أن قدرات أوربا القتالية متدنية. وقد نجحت الحملة الأولى في تأسيس أربع ممالك للفرنجة على النمط الإقطاعي الغربي.

وقد قام الإقطاعيون والأساقفة بحماية يهود فرنسا. أما في ألمانيا، فقد شعر أعضاء الجماعة اليهودية بالخطر المحدق بهم وأرسلوا إلى الإمبراطور هنري الرابع الذي كان يزور روما آنذاك يستغيثون به، ولكن الغوث لم يصلهم. ووقع الهجوم عليهم في عدة أماكن من بينها مينز وورمز وكولونيا. ويُقال إنه قُتل اثنا عشر ألف يهودي، وهو رقم مبالغ فيه جداً، وأنه تم تحطيم كثير من مراكز تَجمُّعهم ونُهبَت ممتلكاتهم، كما فُرض على كثير منهم التنصر في ألمانيا وبوهيميا. ولكن، حينما عاد الإمبراطور، فرض عقوبات على المشتركين في أحداث الشغب وعلى المسئولين الذين لم يزوِّدوا اليهود بالحماية الكافية، وصرح لمن عُمِّد من اليهود قسراً بالعودة لدينه، وأعاد إليهم ممتلكاتهم. بل إنه اتخذ خطوة حاسمة عام 1103 حين أصدر قراراً بأن يتمتع اليهود بالحماية نفسها التي يتمتع بها القساوسة. أما في فلسطين، فقد قام الفرنجة بذبح اليهود الحاخاميين والقرائين (بل المسيحيين الشرقيين) بعد استيلائهم على القدس، وإن كان قد سُمح لليهود بعد ذلك بأن يعيشوا داخل حدود ممالك الفرنجة.

أما الحملة الثانية (1146 ـ 1147) التي جُرِّدت لغوث ممالك الفرنجة واسترجاع ما استولى عليه عماد الدين زنكي عام 1044، والتي بشر بها القديس برنارد وقادها الإمبراطور كونراد الثالث، فقد بدأت بالهجوم على تجمعات يهود فرنسا. وأعلن البابا إيوجنياس الثالث إلغاء الفوائد على ديون المتطوعين للقتال، الأمر الذي أضر بالوضع المالي لأعضاء الجماعات اليهودية. ويمكن القول بأن الطبقة الحاكمة نجحت هذه المرة في تزويد الجماعات اليهودية بالحماية المطلوبة، ولم تقع سوى عدة مذابح قليلة راح ضحيتها أعداد صغيرة لا تُذكَر. وقد فشلت الحملة فيما كانت تهدف إليه. وبعد الحملة الثانية، شهدت المنطقة فترة توازن استمرت طوال أعوام 1131 ـ 1174. ولكن بعد ذلك التاريخ، أخذ المسلمون بزمام المبادرة إلى أن قضوا على جيوب الفرنجة.
أما الحملة الثالثة (1189 ـ 1192) ، فكان على رأسها فريدريك الأول (بارباروسا) إمبراطور ألمانيا، وفيليب الثاني ملك فرنسا، وريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا. وكان الحماس لها كبيراً في إنجلترا وأدَّت إلى هجمات على أعضاء الجماعة اليهودية فيها. أما بالنسبة إلى الحملات الأخرى التي تم تجريد آخرها عام 1250، فلم تُصب أعضاء الجماعات اليهودية بأذى كبير. ويعود هذا إلى تزايد سلطة الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، وخصوصاً في زمن فريدريك الثاني، فنجحت في فرض سلطتها وحماية أعضاء الجماعات اليهودية، وإن كانت حملة 1320 التي يُقال لها «حملة الرعاة» قد هاجمت اليهود في شمال إسبانيا وجنوب فرنسا.

ولا يُعرَف عدد الضحايا من أعضاء الجماعات اليهودية على وجه الدقة لأن التقارير المعاصرة تميل إلى المبالغة والتهويل، ولكن يمكن القول بأنه كان بين خمسة آلاف واثنى عشر ألفاً، وهو ليس بالعدد الذي يُستهان به برغم صغر حجمه بمقاييس أيامنا هذه. ففي بعض التقديرات، لم يكن يزيد عدد يهود إنجلترا بأسرها على أربعة آلاف، ولم يكن يزيد عدد يهود أوربا المسيحية كلها على نصف مليون يهودي وربما أقل، وقد كانوا متمركزين أساساً في المدن أو في البقاع التي كانت تكتسب طابعاً حضرياً. وربما لم تكن المبالغة مقصودة وإنما راجعة إلى خلل في طريقة الرصد والملاحظة. فقد «اختفت» أعداد من اليهود بعض الوقت، فحُسبوا في عداد القتلى، بينما كان اختفاؤهم في واقع الأمر مؤقتاً، إذ أنهم كانوا قد تركوا أماكن إقامتهم أثناء الاضطرابات، ثم عادوا إليها بعد سكونها. وعاد أعضاء الجماعة اليهودية في سبير ومينز وكولونيا وغيرها من المدن الألمانية بعد أن كانوا قد تركوها. والوضع نفسه ينطبق على يهود إنجلترا.
بل يُلاحَظ تزايد العدد الكلي ليهود أوربا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين. ومع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، كانت أغلبية يهود العالم تعيش في أوربا لأول مرة في التاريخ. وربما يعود هذا إلى أن نتائج المذابح لم تكن بالضخامة التي تنسبها إليها روايات المعاصرين (وإن كان آرثر كوستلر يُفسِّر ظاهرة تزايد أعداد اليهود بالإشارة إلى ما يسميه «الشتات الخزري» في أرجاء أوربا) .

وتميل التواريخ الصهيونية إلى تسجيل المذابح التي تعرض لها أعضاء الجماعات اليهودية دون وضعها في سياقها التاريخي السليم، ودون ذكر المذابح الأخرى التي ارتُكبت ضد قطاعات إثنية وطبقية أخرى في المجتمع، فيبدو الأمر وكأن الشر مُوجَّه ضد اليهود وحدهم. وهذا ما فعلته التواريخ الصهيونية بالهولوكوست، أي إبادة اليهود على يد النازي، حيث تُغفل الدراسات إبادة الغجر والسلاف ويتم التركيز على اليهود وحدهم. ولكن من الثابت تاريخياً أن عُنْف حملات الفرنجة لم يكن قط مقصوراً على اليهود، فقد قتل الفرنجة سبعين ألف مسلم في الحملة الأولى وحدها. أما بالنسبة إلى المسيحيين الشرقيين الذين جاء الفرنجة لتحريرهم، فقد حوَّلهم الفرنجة إلى ما يشبه أرقاء أرض، وفرضوا عليهم سلطة إقطاعية أشد قسوة مما كان سائداً وقتئذ في أوربا، حتى أخذ سكان البلاد المسيحيون ينظرون بعين الحسرة إلى حكم المسلمين ويعدونه من العصور الذهبية التي مرَّت بالبلاد. وقد نهب الفرنجة القسطنطينية ثم استولوا عليها. بل يُقال إنهم أنهكوا قواها تماماً وهو ما سهَّل سقوطها في نهاية الأمر في يد العثمانيين. ولم تَسلَم مدن أوربا المسيحية ذاتها من هجماتهم ونهبهم وانتهاكاتهم. بل نجد أن الفرنجة أنفسهم وقعوا ضحية العنف السائد في تلك الحقبة الزمنية، ففي حملة الأطفال عام 1212 (بعد الحملة الرابعة) ، تجمَّع نحو ثلاثين ألف طفل في حملة للفرنجة، وتطوَّع تاجران من مارسيليا بنقلهم إلى الأرض المقدَّسة، ولكنهم بدلاً من ذلك باعوهم لتجار العبيد!
ويجب أن نبحث عن الأثر الحقيقي لحروب الفرنجة في الجماعات اليهودية لا في المذابح التي ارتُكبت ضدهم، أياً كانت قسوتها، وإنما في بعض التطورات الأخرى ذات الطابع البنيوي التي لحقت بالمجتمع الغربي. والواقع أنها وإن لم تمس أعضاء الجماعات اليهودية مباشرة، فقد كان لها أعمق الأثر في السنوات والقرون التي أعقبت حملات الفرنجة.

ومن أهم نتائج حملات الفرنجة، أنها زادت قوة السلطة الدنيوية، وخصوصاًَ قوة الملوك. فقد تم تحويل الطاقة العسكرية للبارونات والنبلاء إلى حملات الفرنجة الأمر الذي أنهك قواهم وأضعفهم داخل أوربا نفسها. كما أن السلطات الدنيوية نجحت في فرض ضرائب مباشرة على النبلاء ورجال الدين والطبقة الوسطى، واستمرت في ذلك بعد انتهاء الحملات الأمر الذي كان يُعَدُّ تعزيزاً لنفوذ الملك على حساب الكنيسة وعلى حساب النبلاء. ومن العوامل الأخرى التي زادت نفوذ السلطة الدنيوية، تزايد الحس القومي بين القطاعات البشرية المختلفة ممن يتحدثون اللغة نفسها ولهم الثقافة نفسها، وكان هذا يُعدُّ تطوراً جديداً في تاريخ مجتمعات القارة الأوربية.
ومن النتائج المهمة الأخرى أن حملات الفرنجة أدَّت إلى تشجيع التجارة واتساع نطاقها، فقد أصبح لأوربا قواعد تجارية وموانئ جديدة في البحر الأبيض المتوسط تَصلُح نقطة انطلاق لتجارة دولية كبيرة. كما طورت أوربا مقدرتها على بناء سفن أكبر حجماً، فالطريق البحري هو الطريق الأساسي الذي كان يربط بين الفرنجة وأرض المعركة. ومن خلال حروب الفرنجة زاد التعامل بالأوراق والاعتمادات المالية، الأمر الذي شجع على نشوء نظام مصرفي دولي. ويمكن القول أيضاً بأن أفق الإنسان الغربي قد اتسع جغرافياً وتاريخياً نتيجة الانتقال من قارة إلى أخرى، وازدادت البورجوازيات المسيحية المحلية الوليدة جرأة، كما تزايد نشاط الجمهوريات المدن الإيطالية بشكل ملحوظ.

وقد أدَّت كل هذه التطورات الاقتصادية المهمة إلى انسحاب أعضاء الجماعات اليهودية تدريجياً من التجارتين الدولية والمحلية اللتين كانتا مرتبطتين إلى حدٍّ كبير وإلى اتجاهها نحو الاشتغال بالربا، وهو الأمر الذي زاد من كراهية الطبقات الشعبية لهم وزاد من هامشيتهم داخل المجتمع الغربي الوسيط. ولكن السلطة الدنيوية كانت تزداد قوة كما بيَّنا، وأدَّى ذلك إلى تَزايُد اعتماد اليهود على النخبة الحاكمة، والملك بالذات، إذ أصبح وجودهم يستند إلى الحماية التي تدعمهم بها هذه الطبقة، فتحوَّلوا من جماعة وظيفية وسيطة تخدم معظم أعضاء المجتمع إلى جماعة وظيفية عميلة معزولة عن المجتمع تُستخدَم أداةً في يد الطبقة الحاكمة. وهذا الوضع يختلف عن وضع اليهود في الأعوام الألف الأولى بعد الميلاد، حيث كانت هناك درجة أعلى من الاختلاط بين اليهود والمسيحيين، وكان الجيتو مجرد مكان للإقامة، بل إنه كان يُعَدُّ إحدى المزايا التي كان يحصل اليهود عليها ضمن ما يحصلون عليه من حقوق ومزايا. ولكن، مع تغيُّر وضعهم، زادت العزلة بين الفريقين وأصبح الجيتو المكان الذي يُعزلون فيه. وقد كرست هذا الوضع قرارات مجمعي المجلس اللاتراني الثالث والرابع، وهي عزلة ظلت تتعمق حتى القرن الثامن عشر الميلادي ـ عصر الإعتاق. ويُقال إن صيحة «هب هب hep hep» التي كان يطلقها المعادون لليهود، في اضطرابات عام 1819 وبعدها، هي نفسها الصيحة التي كان يرددها الفرنجة وأن الكلمة اختصار للعبارة اللاتينية «يروشاليم إست برديتا Yerushal» أي: «لقد سقطت القدس» . ومن نتائج حروب الفرنجة على اليهود أيضاً، بداية الاستقرار اليهودي في شرق أوربا الذي ظل يتزايد إلى أن أصبحت الجماعة اليهودية هناك أضخم كتلة بشرية يهودية في العالم.

ومن الحقائق الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها ما نسميه تصاعُد الحمَّى المشيحانية، أي الرغبة في العودة إلى صهيون (أي فلسطين) والاستيلاء عليها وتحويلها إلى وطن قومي يهودي. إذ من المعروف أن الشريعة اليهودية تحرِّم على اليهود العودة إلى فلسطين وعلى اليهودي أن ينتظر بصبر وأناة إلى أن يشاء الإله ويرسل الماشيَّح، فيحق له حينئذ أن يعود. ويرى كثير من المؤرخين أن حمَّى العودة ورَفْض الانتظار بدأت بين اليهود بحملات الفرنجة ووصلت إلى قمتها مع الحركة الصهيونية التي حققت النجاح لأنها جندت النزعة الاستعمارية في المجتمع الغربي وتحالفت معها ووضعت نفسها تحت تصرفها. وما يهمنا هنا من الحركات المشيحانية حركة الماشيَّح الدجال (داود الرائي) المولود عام 1135 إذ يبدو أن هجمات الفرنجة على فلسطين، والفوضى التي أعقبتها، طرحت إمكانية العودة وتحرير القدس في مخيلة بعض أعضاء الجماعات اليهودية. وقد تركزت دعوة داود الرائي هذا في آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية وممالك الفرنجة. ولعل شيئاً من ذكرى إمبراطورية الخزر وأمجادهم كان لا يزال عالقاً بذهن داود الرائي وأتباعه.

وقد تصاعدت الحمَّى المشيحانية مرة أخرى في القرن السادس عشر الميلادي إذ يبدو أن البابا كليمنت السابع (1524) عاودته الأحلام الاستيطانية الاسترجاعية، وكان يتصوَّر أن بإمكانه دَعْم طريق الكنيسة مرة أخرى واستعادة شيء من نفوذها عن طريق تجريد حملة صليبية. وقد أدرك هذه الحقيقة ماشيَّح دجال آخر يُسمَّى ديفيد رءوبيني، فادَّعى أنه ابن ملك يُدعى سليمان وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم بعض الجماعات والقبائل اليهودية في خيبر بالقرب من المدينة المنورة. وقد أخبر رءوبيني البابا أن أخاه يتبعه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب وأنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طَرْد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبالاً حسناً في بادئ الأمر، بل نجح في مقابلة ملك البرتغال وفي التأثير عليه. وفي تصوُّرنا أن هذه هي أول مرة يتحول فيها المشروع الصليبي للفرنجة إلى مشروع صهيوني وتقبل فيها المؤسسات الغربية استخدام المادة البشرية اليهودية المقاتلة بدلاً من المادة المسيحية. وقد تركت حروب الفرنجة تأثيراً عميقاً في إدراك الوجدان الغربي لفلسطين أو العرب، فأصبحت فلسطين الأرض المقدَّسة التي لابد أن تُسترجَع ليُوطَّن فيها عنصر مسيحي غربي، وأصبح العرب (أهل فلسطين) هم الغرباء الذين يجب استبعادهم. وقد أصبحت هذه الصيغة هي الصيغة التي تمت علمنتها فيما بعد لتصبح الصهيونية.
التشابه بين حملات الفرنجة والمشروع الصهيوني
‏Similarity between the Crusades and the Zionist Project

رغم أن حروب الفرنجة ظاهرة مرتبطة بالتشكيل الحضاري الغربي في العصر الوسيط، فقد ساهمت هذه الحروب وبعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والعرب. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ عمق التشابه بين المشروع الفرنجي والمشروع الصهيوني الإسرائيلي، وهذا أمر متوقع لأن كليهما جزء من المواجهة المستمرة بين التشكيلين الحضاريين السائدين في الغرب والشرق العربي، كما أن حملات الفرنجة هي نقطة انطلاق أوربا نحو التوسع والإصرار على بسط سيطرتها على الخارج. والواقع أن حملات الفرنجة احتوت بذور كل أشكال الإمبريالية الأوربية التي حكمت فيما بعد حياة جميع شعوب العالم (على حد قول أحد مؤرخي حملات الفرنجة الغربيين) . ولهذا، أصبحت حملات الفرنجة صورة مجازية أساسية في الخطاب الاستعماري الغربي، وأصبحت ديباجاتها هي نفسها ديباجة المشروع الاستعماري الغربي. وقد رأى كثير من المدافعين عن المشروع الصهيوني، من اليهود وغير اليهود، أنه استمرار وإحياء للمشروع الصليبي أي الفرنجي ومحاولة وَضْعه موضع التنفيذ من جديد في العصر الحديث. فقد ألَّف سي. آر. كوندر عام 1897، وهو صهيوني غير يهودي ومؤسس صندوق استكشاف فلسطين، كتاباً عن تاريخ المملكة اللاتينية في القدس أشار فيه إلى أن الإمبريالية الغربية قد نجحت فيما أخفقت فيه الحملات الصليبية أي حملات الفرنجة. والواقع أن تصوُّره هذا يشبه في كثير من الوجوه تصوُّر الصحافة البريطانية وكذلك تصوُّر بعض أعضاء النخبة الحاكمة في بريطانيا بأن هجوم أللنبي على القدس يساوي حملة صليبية أخرى. وقد صرح لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، والذي أصدرت وزارته وعد بلفور، أن أللنبي شن وربح آخر الحملات الصليبية وأعظمها انتصاراً. ويمكننا أن نقول إن المشروع الصهيوني هو نفسه المشروع الفرنجي بعد أن تمت علمنته، وبعد أن تم إحلال المادة البشرية اليهودية التي تم تحديثها وتطبيعها وتغريبها وعلمنتها محل المادة البشرية

المسيحية.
وقد لاحَظ روبرت برنارد سولومون، وهو ضابط إنجليزي رأس الاتحاد الصهيوني البريطاني، أوجه التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في دراسة له نشرها في جويش ريفيو عام 1912 تحت عنوان "مستعمرات القرن الثاني عشر في فلسطين" حيث أكد أن المشكلات التي واجهها المستوطنون الفرنجة ونجحوا في التغلب عليها تشبه من نواح كثيرة تلك المشكلات التي تواجه المستوطنين الصهاينة في فلسطين ثم أخذ في تعداد هذه النواحي. كما أشار إلى العوامل التي أدَّت إلى انهيار ممالك الفرنجة بعبارة "المؤثرات الشرقية التي أدَّت إلى الانحلال" ليحذر المستوطنين الجدد منها. وسنحاول حَصْر جوانب الشبه بين التجربتين الفرنجية والصهيونية، وتصنيفها تحت رؤوس موضوعات قد تكون متداخلة ولكنها مع هذا تيسر لنا عملية تقسيم هذه الأوجه والتعامل معها.
ولعل نقطة التشابه الأساسية ذات طابع جغراسي ففلسطين هي النقطة المستهدفة في كل من المشروعين الفرنجي والصهيوني. ويبدو أن فلسطين مستهدفة دائماً من صناع الإمبراطوريات إذ أنها تُعَدُّ مفتاحاً أساسياً لآسيا وأفريقيا، وتُعدُّ معبراً على البحرين الأحمر والأبيض، وتقف على مشارف الطرق البرية التي تؤدي إلى العراق وإيران، وهي أيضاً معبر أساسي لشطري العالم الإسلامي. وفلسطين في واقع الأمر ليست سوى جزء من ساحل طويل يضم سوريا ومصر، يشكل فاصلاً بين البحر المتوسط في الغرب والمحيط الهندي في الشرق. ويُعد هذا الموقع، بالتالي، فاصلاً بين مراكز النشاط في أوربا الغربية والشرق الأقصى. كل هذا يبين تشابك المصير بين سوريا ومصر من جهة وفلسطين من جهة أخرى، وخصوصاً أن كثافة مصر السكانية جعلتها دائماً المرشحة لقيادة المنطقة بأسرها في صراعها ضد الغزوات الغربية. ويلاحظ أن كلاًّ من المشروعين الفرنجي والصهيوني اكتشف أنه لحسم الصراع لصالحه، فلابد من ضرب مصر أو على الأقل تحييدها.

والواقع أن الغزاة الاستيطانيين عادةً ما يسلكون طريق البحر، ثم تستقر الجيوب الاستيطانية على الساحل أو تحتفظ بركيزتها الأساسية فيه كما حدث في جنوب أفريقيا والجزائر. وكذلك، فإن الغزوتين الفرنجية والصهيونية سلكتا الطريق البحري نفسه واحتلتا أجزاء من نفس الشريط البحري، وإن كان الشريط الذي احتله الفرنجة أكثر طولاً من الشريط الذي احتله الصهاينة.
أما من الناحية التاريخية، فيمكن القول بأن ثمة تشابهاً بين وَضْع العالمين العربي والإسلامي في القرن الحادي عشر ووضعهما في أواخر القرن التاسع عشر، فقد كانا في حالة انقسام وتراجع وتجزئة. فالخلافة الفاطمية في مصر كانت في حالة مواجهة مع الخلافة العباسية في العراق، وقد اقتسمتا فيما بينهما العالم الإسلامي. وكان النظامان العباسي والفاطمي يعانيان من الصراعات الداخلية والمؤامرات. وهما، في هذا، يشبهان النظام السياسي العربي المعاصر، المتجزئ، المنقسم على نفسه، المتصارع مع ذاته.
والغزوتان الفرنجية والصهيونية تهدفان إلى حل بعض مشاكل المجتمع الغربي وتخفيف حدة تناقضاته. فالمجتمع الوسيط الغربي كان يخوض عملية بَعْث اقتصادي فتحت شهيته للاستيلاء على طرق التجارة المتجهة إلى الشرق. وهذا يشبه من بعض الوجوه، وإن كان بدرجة أقل، انفتاح شهية رجل أوربا الشره في القرن التاسع عشر الميلادي الذي لم يهدأ له بال إلا بعد أن وقع العالم كله في قبضته. وقد استخدمت أوربا كلا المشروعين، الفرنجي والصهيوني، في التخلص مما أطلق عليه في القرن التاسع عشر الميلادي «الفائض البشري» ، أي العناصر التي لم تستطع أن تحقق الحراك الاجتماعي داخل مجتمعاتها ولذا كانت تهدِّد السلام الاجتماعي ولم يكن هناك مفر من تصديرها للشرق حتى يحقق الغرب سلاماً اجتماعياً داخلياً. فالمشروع الفرنجي كان يهدف أيضاً إلى تخليص أوربا من فائضها البشري الذي كان يهدد سلامها الاجتماعي حسب تصوُّر البعض على الأقل.

ومن نقط التشابه الأخرى أن المشروعين الفرنجي والصهيوني مشروعان استعماريان من النوع الاستيطاني الإحلالي. فالمشروع الفرنجي كان يهدف إلى تكوين جيوب بشرية غربية وممالك فرنجية تدين بالولاء الكامل للعالم الغربي. ولذا، لم تأت الجيوش وحسب، وإنما أتى معها العنصر البشري الغربي المسيحي ليحل محل العنصر البشري العربي الإسلامي. وهو في هذا لا يختلف عن المشروع الصهيوني إلا في بعض التفاصيل. فغزو فلسطين تم أولاً على يد القوات البريطانية، ثم حَضَر المستوطنون الصهاينة بعد ذلك بوصفهم عنصراً يقوم بالزراعة والقتال. وقد كانت المؤسسات الاقتصادية للفرنجة، مثلها مثل قرينتها الإسرائيلية، تتسم بطابع عسكري. كما أن التنظيم الاقتصادي التعاوني لم يكن مجهولاً لدى الفرنجة. ويمكن القول بأن دويلات الفرنجة، مثلها مثل الدولة الصهيونية، كانت ترسانات عسكرية في حالة تأهب دائم للدفاع عن النفس وللتوسع كلما سنحت لها الفرصة. ويُلاحَظ أن كلاًّ من ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية، بسبب طبيعتها الإحلالية، خلقت مشكلة لاجئين. كما يُلاحَظ أن هؤلاء اللاجئين تحوَّلوا إلى وقود جنَّد سكان المنطقة ضد الدولة القلعة.

ومن المعروف أن الكيانات الاستيطانية لا تفقد صلتها قط بالوطن الأم بل تعتمد عليه اعتماداً يكاد يكون كاملاً لأنها، بسبب تناقضها الجوهري مع البيئة المحلية التي تلفظها، تستمد مقومات الحياة من دعم عسكري ومالي وهوية ثقافية ومادة بشرية من وطنها الأصلي. وهذه سمة أساسية في الكيانين الفرنجي والصهيوني، مع تنويعات فرعية تنصرف إلى التفاصيل لا الجوهر. فمثلاً اعتمدت ممالك الفرنجة على كل أوربا كمصدر للدعم، ولكن اعتمادها كان على فرنسا بالدرجة الأولى. وكذلك، فإن الدولة الصهيونية التي اعتبرت أوربا قاعدتها الإستراتيجية واعتمدت على معظم دول العالم الغربي الرأسمالي مع التركيز على بلد واحد هو إنجلترا ثم فرنسا لفترة قصيرة وأخيراً الولايات المتحدة منذ منتصف الستينيات. ومع سقوط الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي تطرح الدولة الصهيونية نفسها باعتبارها قاعدة للحضارة الغربية كلها في مواجهة العالم الإسلامي. ويشير أحد الدارسين الإسرائيليين إلى أنه كان هناك جباية فرنجية موحدة تماماً مثل الجباية اليهودية الموحَّدة.

وقد جاءت المادة البشرية لكلا المشروعين من العالم الغربي. ولكنهما، مع هذا، لم يحققا التجانس العرْقي المطلوب لتحقيق شيء من التوازن داخل التجمُّع الاستيطاني، فتولدت درجة عالية من التوتر. فممالك الفرنجة كانت تضم في بادئ الأمر عنصراً فرنسياً غالباً بالإضافة إلى عنصر إيطالي انقسم بدوره إلى جنوي وبندقي نسبة إلى جنوة والبندقية. ولكن عناصر أخرى انضمت إلى هذين العنصرين، مثل: الأرمن وبعض العناصر المسيحية المحلية والمسلمين الذين تنصروا. كما أن ممالك الفرنجة نفسها استوعبت، بمرور الزمن، العناصر الثقافية من البيئة المحلية. ولكن، ومع هذا، يمكن القول بأن ممالك الفرنجة احتفظت بقدر من التجانس أعلى كثيراً مما حققه الكيان الصهيوني. فهذه الممالك ظلت فرنجية (فرنسية) ، كما أن أعضاء النخبة الحاكمة التي كانت عناصرها الأساسية من الفرنجة ظلت متماسكة، وكذلك كانت الهوية الثقافية مستمدة من فرنسا. ويلاحظ أن أوربا في ذلك الوقت لم تكن قد انقسمت بعد إلى كيانات قومية لكل منها لغتها، وكانت اللاتينية لغة العبادة والفكر. وكان التشكيل الحضاري يتمتع بشيء من الوحدة الثقافية، على الأقل، بالقياس إلى فترة التفتت القومي التي بدأت بعصر النهضة.

وقد حاول التجمع الصهيوني أن يحتفظ بهوية إشكنازية متجانسة تستند إلى تجربة شرق أوربا. ولكن أوربا، في القرن التاسع عشر الميلادي، كانت ذات تشكيل حضاري مقسم إلى كيانات قومية مختلفة تتحدث لغات مختلفة، فجاء يهود من المجر ورومانيا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا، كلٌّ يتحدث لغته. وجاء من شرق أوربا نفسها أنواع غير متجانسة، فثمة يهود جاءوا من بولندا يتحدثون البولندية، وآخرون جاءوا من رومانيا يتحدثون الرومانية، ومن روسيا جاء من يتحدث الروسية إلى جانب الأغلبية التي تتحدث اليديشية. كما كان النسق الديني اليهودي في حالة تفتُّت وتراجُع ومن ثم نجد أن هناك يهوداً أرثوذكس ويهوداً إصلاحيين أو محافظين أو قرّاءين ... إلخ. ثم اجتاحت التجمع الصهيوني الكثافة السكانية الوافدة من العالمين العربي والإسلامي التي غيَّرت بنيته السكانية وتوجُّهه الثقافي بحيث أصبحت أغلبية العنصر اليهودي شرقية تحكمها أقلية إشكنازية. ولكن الدولة الصهيونية تحاول مع هذا أن تحتفظ بالتوجه الإشكنازي للمجتمع، إذ يتضح هذا في تشجيع الهجرة من الاتحاد السوفيتي وفي المناخ الثقافي الذي تفرضه المؤسسة الحاكمة، وهذا الوضع يُولِّد الكثير من التوتر.
ويُلاحظ الصحفي الإسرائيلي يوري أفنيري أن كلاًّ من التجمعين الفرنجي والصهيوني تكوَّن من ثلاث طبقات ذات طابع عرْقي: الطبقة الحاكمة من المسيحيين الغربيين في دويلات الفرنجة يقابلها اليهود الإشكناز في الدولة الصهيونية. ثم يأتي في المرتبة الثانية مواطنو الدرجة الثانية من المسيحيين الشرقيين في دويلات الفرنجة يقابلهم اليهود الشرقيون في الدولة الصهيونية. وأخيراً يأتي مواطنو الدرجة الثالثة وهم المسلمون واليهود وبعض المسيحيين العرب في دويلات الفرنجة، والمسلمون والمسيحيون العرب في الدولة الصهيونية.

والمجتمع الاستيطاني مجتمع مزروع أو مشتول في العادة، فهو يأخذ شكل الدولة الجيتو أو الدولة القلعة. ونشير له الآن بأنه الدولة الشتتل. والشتتل هي المدن الصغيرة التي أسسها النبلاء البولنديون (شلاختا) في أوكرانيا لأعضاء الجماعات اليهودية ليقوموا بدورهم الذي أوكل إليهم في جمع الضرائب والإيجارات والإشراف على إدارة ضياع هؤلاء النبلاء حيث كانت تحميهم القوة العسكرية البولندية. وهذا المجتمع منعزل عن بيئته وينصرف جزء كبير من نشاطه إلى عملية القتال ضد السكان المحليين. وهذه مسألة ليست عرضية وإنما هي مسألة جوهرية وتنبع من الوظيفة نفسها. والعالم الغربي يزود الجيوب الاستيطانية بالعون ومقومات الحياة حتى تظل ركيزة لنشاطاته الإمبريالية والتوسعية. وينطبق هذا الوضع على الجيبين الفرنجي والصهيوني، وإن كان يبدو أن الدعم الغربي للجيب الصهيوني يفوق الدعم الغربي للجيب الفرنجي. ولعل هذا يعود إلى أن الغرب أدرك وظيفة الجيب الصهيوني كاستثمار إستراتيجي يأتي بعائد اقتصادي غير مباشر عن طريق تهدئة المنطقة وليس كاستثمار اقتصادي يأتي بعائد اقتصادي مباشر. وربما لم تكن لدى أوربا في العصور الوسطى الرؤية الإستراتيجية الشاملة التي يمتلكها الغرب في الوقت الحاضر.

ويبدو أن أزمة التجمُّع الفرنجي لا تختلف عن أزمة التجمع الصهيوني. فيُلاحَظ أن الكيان الفرنجي كان يعاني من أزمة سكانية لا تختلف كثيراً عن أزمة المستوطن الصهيوني، وذلك نظراً لانخفاض عدد سكان أوربا عام 1300 بعد انتهاء فترة تزايد السكان، الأمر الذي أدَّى إلى عدم مجيء المزيد من المادة البشرية، كما كان الكيان الفرنجي يعاني من تناقص نسبة المواليد. وكان كثير من الأراضي التي ضمها الفرنجة يزرعها سكانها الأصليون العرب. بل إن بعض الأقنان الذين جاءوا مع حملات الفرنجة اشتغلوا بأعمال أخرى غير الزراعة، نظراً لعدم درايتهم بالتربة وربما لتفتُّح فرص اقتصادية أخرى بحيث أمكنهم العمل في التجارة. ويشبه هذا زحف العرب التدريجي على الزراعة داخل المُستوطَن الصهيوني وضمن ذلك الكيبوتسات، وتحوُّل المستوطنين الصهاينة إلى مهام أخرى غير الزراعة.

ولا تنحصر نقاط التشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني في الظروف الاجتماعية والجغرافية المحيطة بكل منهما، ولا في بنية الكيانين فقط، وإنما تمتد نقاط التشابه هذه لتضم الديباجات والقصد. فقد قُدِّمت تبريرات للمشروعين وتم الدفاع عنهما عن طريق ديباجات دينية تستخدم الرموز الدينية وتوظفها في عملية التعبئة العسكرية. والرموز الدينية المستخدمة هي في واقع الأمر رموز عرْقية أو إثنية أو قومية رغم طلائها الديني اللامع. ويتبدَّى هذا في واقع أنه لا حملات الفرنجة ولا الحملة الصهيونية تحتكم إلى القيم الأخلاقية المسيحية أو اليهودية، ولا يوجد لدى أيٍّ منهما استعداد لأن يُقيِّم سلوك المقاتلين التابعين لها من منظور مسيحي أو يهودي. فلم يكن الصليب في الحروب التي يُقال لها «صليبية» رمزاً للنسق الديني المسيحي وإنما كان رمزاً للهوية الإثنية الغربية المغرقة في الدنيوية، كما أن نجمة داود كان يستخدمها الصهاينة الذين لا يعرفون إلا القليل عن الدين اليهودي والذين لا علاقة لهم بالنسق الديني اليهودي. فالحملات التي يُقال لها «صليبية» ، أو تلك التي يُقال لها «صهيونية» ، هي إذن تعبير عن قوى غير دينية استولت على الرموز الدينية ووظفتها مثلما استولت فيما بعد على الأراضي وقتلت أصحابها.
ومن هنا كانت عنصرية الديباجات الصليبية والصهيونية. ومن هنا أيضاً كان تمييزها الحاد بين البشر وتقسيمهم إلى أدنى وأعلى، أو حاضر وغائب، أو فئة لها كل الحقوق وفئة لا حقوق لها على الإطلاق ... إلخ. وهذا مختلف تماماً عن إيمان الديانات التوحيدية الثلاث بالمساواة بين البشر والتي تصدُر عن الإيمان بأننا نولد جميعاً من آدم وآدم من تراب.

ويُلاحَظ أن ديباجات الفرنجة والصهاينة ترى غزو فلسطين في إطار فكرة أن الغزاة شعب مقدَّس أو مختار. وكان يسيطر على كل من الفرنجة والصهاينة تفكير نخبوي يجعل زعماءهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم طلائع شعوبهم التي ستحمل السلام لتخلِّص الأرض المقدَّسة، وأن هذه الحملة العسكرية إن هي إلا خروج ثان يشبه خروج العبرانيين من مصر إلى كنعان. وقد ارتبطت الديباجات في كلا المشروعين بالأحلام الألفية في استرجاع فلسطين بعد عودة المسيح أو تمهيداً لعودته.
مركزية حملات الفرنجة في الوجدان الصهيوني/الإسرائيلي
‏Centrality of the Crusades in the Israeli Zionist Imagination

نظراً للتشابه بين المشروعين الفرنجي والصهيوني، ونظراً لأن كليهما اتخذ فلسطين ساحة لتنفيذ أحلامه، نجد أن الوجدان الصهيوني منشغل إلى أقصى حد بالمشروع الفرنجي، وخصوصاً أن الفرنجة قد رحلوا ولم يتركوا شيئاً خلفهم سوى بعض القلاع التي يزورها السائحون ويدرسها علماء الآثار من الإسرائيليين والعرب. ويحاول الدارسون الصهاينة أن ينظروا إلى مشروع الفرنجة من منظور ما يسمونه «التاريخ اليهودي» وكأن حملات الفرنجة جُرِّدت بالدرجة الأولى ضد اليهود، تماماً مثلما يمنحون الجماعات اليهودية مركزية في كل الأحداث التاريخية. وتتحدث الكتابات الصهيونية الإسرائيلية عن ضحايا حملات الفرنجة وكأنهم الضحايا الوحيدون، بل تدَّعى بعضها دوراً يهودياً مستقلاًّ في صد الفرنجة، وهو الأمر الذي يتنافى تماماً مع حقائق التاريخ، ومع ما ورد في كتابات بعض الرحالة اليهود المعاصرين مثل بنيامين التويطلي، فإن مدينة صور كانت (في عام 1170) تضم خمسمائة يهودي على حين كانت كلٌّ من عكا وقيصرية تضم مائتين، وكانت عسقلان تضم مائتي يهودي حاخامي. وتشير موسوعة التاريخ اليهودي إلى أن هذه هي الجماعات اليهودية الكبيرة! ويذكر العالم اليهودي الإسباني موسى بن نحمان (نحمانيدس) أنه وجد في القدس عام 1267 يهوديين اثنين فقط.
ولكن أهم جوانب الاهتمام الصهيوني الإسرائيلي بالكيان الفرنجي هو دراسته من منظور الصراع العربي الإسرائيلي، بمعنى عَقْد الدراسات المقارنة في مشاكل الاستيطان ومشاكل الموارد البشرية والعلاقات الدولية فضلاً عن محاولة فَهْم عوامل الإخفاق والفشل التي أودت بالكيان الفرنجي. وهناك من يهتم بدراسة المقومات البشرية والاقتصادية والعسكرية للكيان الفرنجي، ومن يهتم برصد العلاقة بين هذا الكيان والكيان الأوربي المساند له. وقد وجَّه فريق من الباحثين اليهود اهتمامه لدراسة مشكلات الاستيطان والهجرة.

ولكن الاهتمام لا يقتصر على الدوائر الأكاديمية، فنجد أن شخصيات سياسية عامة مثل رابين وديان وأفنيري يهتمون بمشاكل الاستيطان والهجرة. ففي سبتمبر 1970، عقد إسحق رابين مقارنة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية حيث توصَّل إلى أن الخطر الأساسي الذي يهدد إسرائيل هو تجميد الهجرة، وأن هذا هو الذي سيؤدي إلى اضمحلال الدولة بسبب عدم سريان دم جديد فيها. ويعقد أفنيري في كتابه إسرائيل بدون صهيونية (1968) مقارنة مستفيضة بين ممالك الفرنجة والدولة الصهيونية لا تختلف كثيراً عن المقارنة التي عقدناها في الجزء الخاص بهذا الموضوع والذي استفدنا فيه بتحليله الذكي. ولكن أفنيري يخلص إلى أن المقارنة درس لابد أن يتعلم منه الصهاينة، فإسرائيل مثل ممالك الفرنجة مُحاصَرة عسكرياً لا لأن هذا هو المصير الموعود (الذي لا مفر منه) كما يتصور بعض الصهاينة، وإنما هي مُحاصَرة عسكرياً لأنها تجاهلت الوجود الفلسطيني ورفضت الاعتراف بأن أرض الميعاد يقطنها العرب منذ مئات السنين.

وقد عاد أفنيري إلى الموضوع، عام 1983، بعد الغزو الصهيوني للبنان، في مقال نشر في هاعولام هزه بعنوان "ماذا ستكون النهاية" فأشار إلى أن ممالك الفرنجة احتلت رقعة من الأرض أوسع من تلك التي احتلتها الدولة الصهيونية، وأن الفرنجة كانوا قادرين على كل شيء إلا العيش في سلام، لأن الحلول الوسط والتعايش السلمي كانا غريبين على التكوين الأساسي للحركة. وحينما كان جيل جديد يطالب بالسلام كانت مجهوداتهم تضيع سدى مع قدوم تيارات جديدة من المستوطنين، الأمر الذي يعني أن ممالك الفرنجة لم تفقد قط طابعها الاستيطاني. كما أن المؤسسة العسكرية الاقتصادية للفرنجة قامت بدور فعال في القضاء على محاولات السلام، فاستمر التوسع الفرنجي على مدى جيل أو جيلين. ثم بدأ الإرهاق يحل بهم، وزاد التوتر بين المسيحيين الفرنجة من جهة وأبناء الطوائف الشرقية من جهة أخرى، الأمر الذي أضعف مجتمع الفرنجة الاستيطاني، كما ضعف الدعم المالي والسكاني من الغرب. وفي الوقت نفسه، بدأ بعث إسلامي جديد، وبدأت الحركة للإجهاز على ممالك الفرنجة، فأوجد المسلمون طرقاً تجارية بديلة عن تلك التي استولى عليها الفرنجة. وبعد موت الأجيال الأولى من أعضاء النخبة في الممالك، حل محلهم ورثة ضعفاء في وقت ظهرت فيه سلسلة من القادة المسلمين العظماء ابتداءً من صلاح الدين ذي الشخصية الأسطورية حتى الظاهر بيبرس. وظل ميزان القوى يميل لغير صالح الفرنجة، كما لم يكن هناك ما يوقف هزيمتهم النهائية. وقد ترك هذا الحدث التاريخي بصماته وآثاره في وعي شعوب المنطقة حتى اليوم.
والواقع أن اهتمام المستوطنين الصهاينة بممالك الفرنجة تعبير عن إدراك أوَّلي لطبيعة دورهم في المنطقة كدولة وظيفية تكون مجرد أداة في يد قوى عظمى خارجية، وهو إحساس يشوبه قسط كبير من القدرية والعدمية الناجمة عن إحساس الأداة بأنها لا تمتلك ناصية أمورها ولا تسيطر على مصيرها أو قدرها.

*الحملة الصليبية الأولى بدأت هذه الحملة عام (489 هـ = 1096م) بكتائب شعبية من المشاة والأطفال والنساء بقيادة بطرس الناسك إلا أنها فشلت بعد هزيمتها على يد السلطان السلجوقى قلج أرسلان فى مدينة نيقية عاصمة السلجوقيين.
أما الحملة الصليبية العسكرية الأولى فكانت تتكون من (700) ألف مقاتل، وانطلقت بأربعة جيوش: الأول: من جنوب فرنسا بقيادة ريموند دى ساى جيل.
والثانى: من شمال فرنسا بقيادة روبرت كورت هوذ.
والثالث: من أعالى فرنسا بقيادة جودفرى بويون.
والرابع: من جنوب إيطاليا بقيادة تنكريدو بوهيموند النورماندى.
واتفق القادة الأربعة أن يلتقوا فى القسطنطينية عام (1097م) فوصلوا إلى القسطنطينية، ولم يلبثوا فيها طويلاً حتى تجاوزوها إلى الأناضول واستولوا على نيقية سنة (1097م)، وهزموا السلاجقة فى دور يليوم واحتلوا أنطاكية عام (1098م)، وعسقلان والقدس سنة (1099م) وتأسست مملكة القدس اللاتينية، واختير جودفرى بويون حاكمًا لها، ولقب بحامى القبر المقدس.
*الحروب الصليبية هى سلسلة من الحروب شنَّها المسيحيون الأوربيون خلال القرنين (6 و 7 هـ = 12 و13م)؛ لاستعادة الأراضى المقدسة، وتُسمَّى - أيضًا - الحملات الصليبية، ويبلغ عددها تسع حملات، هى: الحملة الصليبية الأولى (1096 - 1099م): بدأت هذه الحملة بكتائب شعبية من المشاة والنساء والأطفال، قادها بطرس الناسك، إلا أنها أُبيدت على أبواب مدينة نيقية على يد السلطان قلج أرسلان.
أما الحملة العسكرية الأولى فكانت تتكون من نحو (700) ألف مقاتل، وانطلقت بأربعة جيوش، واتفق القواد على أن يلتقوا فى القسطنطينية، واستولت هذه الجيوش على نيقية عاصمة السلجوقيين، ثم استولت على الرها وأنطاكية وبيت المقدس وعكا وطرابلس، وانتهت هذه الحملة سنة (1099م).
الحملة الصليبية الثانية: (1147 - 1149م): دعا إليها سنت برناردلكيرفر بعد أن استولى عماد الدين زنكى على الرها، وكان عماد الدين زنكى يتزعم الدفاع عن الإسلام، ولكنه تُوفِّى قبل أن يطرد الصليبيين، وخلفه ابنه نور الدين زنكى، فقدمت الحملة الصليبية الثانية؛ لتتصدى له، ولكن هذه الحملة باءت بالفشل؛ لاحتدام الخلاف بين قادتها، ولاندحارها أمام السلجوقيين عند قونية.
الحملة الصليبية الثالثة (1189 - 1192م): قادها ثلاثة من أشهر ملوك أوربا، وهم: فريدرك بربوس إمبراطور ألمانيا، وفيليب أوغست ملك فرنسا، وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا.
وكان مصير هذه الحملة الفشل؛ بسبب غرق إمبراطور ألمانيا فى نهر السالف، وهو فى طريقه إلى الشرق؛ فتشتت جيشه، ثم نشب الخلاف بين ملك فرنسا وملك إنجلترا، وكان من نتائجه أن رحل ملك فرنسا راجعًا إلى بلاده، وظل ريتشارد يقاتل صلاح الدين الأيوبى راغبًا فى إعادة بيت المقدس إلى الحكم الصليبى، ولكنه عجز عن ذلك، وتم توقيع صلح الرمل سنة (1192م) بين صلاح الدين وريتشارد.
الحملة الصليبية الرابعة (1203 - 1204م): وكانت موجهة أصلاً ضد مصر، وكان داعيتها
25 - الصليبيون
الصليبيون: هم الذين شنوا حملات عسكرية أوروبية على الشرق الإسلامى فى القرن الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر الميلادى بحجة استخلاص الأراضى المقدسة من أيدى المسلمين.

وسموا بذلك لاتخاذهم الصليب شعارا لهم، ورسمه على ملابسهم وراياتهم، محاولة منهم فى إصباغ حملاتهم بالصبغة الدينية، ولكن الحقيقة أن الدين لم يكن السبب الوحيد، ولا السبب المهم لها.

فهناك أسباب ودوافع وراء هذه الحروب منها:
1 - الأسباب التاريخية: فالحروب الصليبية هى فصل من فصول الصراع بين الشرق والغرب، ذلك الصراع الذى بدأ بحرب طروادة وفارس فى الأزمنة الغابرة، وانتهى بالتوسع الاستعمارى الأوروبى فى العصر الحديث فهى حلقة من هذه السلسلة.

وهذا الصراع بين الشرق والغرب يهدأ ويثور كالبركان فى هدوئه وثورته. فلما جاء القرن الحادى عشر اشتد غليان البركان، فثار متخذا الصليب هذه المرة أداة له أو مظهرا لغليانه.
2 - الأسباب الدينية: كان الشرق هو المهد الحقيقى لدين المسيح - عليه السلام -، ولكن المسيحية ترعرعت فى أوروبا، وانتشرت من خلال كنائس أوروبا وجامعاتها، وكانت هناك أديان تزاحم المسيحية فى عصورها المختلفة مثل: اليهودية والبوذية والكنفوشيوسية والإسلام.

ولكن الإسلام كان هو الدين الوحيد الذى انتشر بقوة جارفة، مقتحما على أوروبا المسيحية أبوابها من الغرب عن طريق الأندلس، ومن الشرق عن طريق القسطنطينية التى دق المسلمون أبوابها منذ العهد الأموى، كل هذا جعل أوروبا تناصب الإسلام العداء.

فضلا عن ذلك فإن سقوط الخلافة الأموية بالأندلس، وما تبع ذلك من هزائم وقعت بالمسلمين فى الميدان الغربى، شجع أوروبا لأن تضرب ضربتها من جهة الشرق، لتدمير قوى المسلمين، ووقف أى محاولات ترمى إلى مساعدة المسلمين لإخوانهم بالأندلس، أو مد يد العون لهم، ليستردوا قوتهم مرة أخرى، وواكب كل ذلك يقظة دينية مسيحية فى أوروبا آنذاك جعلت من أهدافها الاستيلاء على الأماكن المقدسة فى فلسطين، لتتولى الكنيسة البابوية بروما حماية هذه الأماكن المقدسة وإدارتها.
3 - الأسباب التجارية: وهى من الأسباب عظيمة الشأن فى هذا المقام، حيث إن التجار بالساحل الشمالى للبحر المتوسط فى البندقية، وجنوه، وبيزا، أرادوا امتلاك بعض الموانئ على الساحل الشرقى والجنوبى للبحر المتوسط، لتكون هذه الموانئ مركزا لتجارة الغرب فى الشرق، ولتتصل تجارة أوروبا عن طريق هذه المنافذ بالخطوط التجارية بالشرق، لذلك فقد بذل هؤلاء التجار المال والسلاح للتشجيع على الحروب الصليبية.

كل هذه الأسباب تتصل بصورة مباشرة بالصليبيين، لكن هناك أسباب تتصل بالجبهة الإسلامية فى هذه الحروب منها:
1 - حالة الضعف التى أصابت العالم الإسلامى بذهاب شوكة السلاجقة وتفككهم إلى دويلات تنازعت فيما بينها.
2 - ترنح الخلافة الفاطمية، وما حدث فيها من اضطراب وفوضى فى عهد الحاكم بأمر الله، ولم يصلح من جاء بعده هذه الأمور وإعادتها إلى نصابها نتيجة لتولى الصبية الصغار للخلافة، مما جعل زمام الأمور فى يد الوزراء.
3 - النزاع بين الفاطميين والسلاجقة على بلاد الشام، وكان الفاطميون على مذهب الشيعة، والسلاجقة على مذهب أهل السنة، فسعى كل فريق منهم إلى الإيقاع بالآخر، فنشبت بينهم الحروب التى أنهكت قواهم وأضعفتهم.

ولقد شن الصليبيون على الشرق الإسلامى سبع حملات:

الحملة الأولى (1097 - 1099م)

الحملة الثانية (1147 - 149 1م)

الحملة الثالثة (1188 - 192 1م)

الحملة الرابعة (1202 - 204 1م)

الحملة الخامسة (1218 - 221 1م)

الحملة السادسة (228 1 - 229 1م)

الحملة السابعة (1248 - 250 1م)

ولم تحقق هذه الحملات العسكرية أهدافها المرجوة التى حاول بها الصليبيون السيطرة على الشرق الإسلامى، وذلك للأسباب التالية التى يراها المؤرخون ومنها:
1 - سياسة الكنيسة التى كانت تضع مصلحتها فوق كل مصلحة، ولم يكن يهمها النصر، بقدر ما يهمها ما تجنيه من نتائجه.
2 - اهتمام أمراء الإقطاع بمصالحهم الخاصة، وتكوين إمارات يحكمونها ويورثونها لأولادهم، أكثر من اهتمامهم بالصالح العام الأوروبى والمسيحى فلم يكن الصليب سوى وسيلة للتغرير بالجماهير كأنه غطاء يخفون به أطماعهم الشخصية، ولكن اتضح الأمر لكثير من المسيحيين فقلل من حماستهم للحرب.
3 - عقد التجار الأوروبيون معاهدات تجارية مع المسلمين إذ كان الهدف الاقتصادى أهم باعث لديهم، فلما رأوا أهدافهم تتحقق بلا حروب وبطريق المعاهدات آثروا السلامة، وخذلوا ذويهم المسيحيين.
4 - زحف التتار على العالم الإسلامى فى مطلع القرن الثالث عشر، وما فعلوه من تدمير للحضارة الإسلامية، جعل أوروبا تجد فى زحف التتار تحقيقا لأهدافها دون بذل أى جهد من جانبها، لذا لم يقدموا مزيدا من العون للصليبيين.
5 - تجمع المسلمين من مختلف الأنحاء لمواجهة الصليبيين حيث اتضح للصليبيين أنهم ليسوا فقط أمام مصر وسوريا بل أمام القوى الإسلامية من مختلف البقاع، فقد أظهر المسلمون حماسا لم يكن فى حسبان الصليبيين، فلم يكد المسلمون يهزمون فى الشوط الأول من هذه الحروب، حتى تناسوا الى حد كبير ما بينهم من خصومات، وتجمعت كلمتهم لاستعادة الأرض التى افتقدوها، لذا مال المصريون إلى نور الدين زنكى، ورحبوا بالقائد السلطان صلاح الدين، وتغلب الصالح العام على المصالح الخاصة، ووقفت الجماهير تنصر من يعمل على تجميع الكلمة، وتخذل من يسعى لمصالح ذاتية.

(هيئة التحرير)
__________
المراجع
1 - موسوعة التاريخ الإسلامى- د/ أحمد شلبى جـ 5 - ط مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، سنة 1979م ط 4.
2 - الإسلام والحضارة الغربية د/ محمد كرد على.
3 - حضارة العرب- جوستاف لوبون.
4 - الحروب الصليبية- وليم الصورى- ترجمة د/ حسن حبشى (سلسلة تاريخ المصريين عدد68 - 69).
5 - الحركة الصليبية: صفحة مشرفة فى تاريخ الجهاد الإسلامى فى العصور الوسطى- د/ سعيد عبد الفتاح عاشور- ط الأنجلو المصرية- ط خامسة سنة 1993م ج 1 وج 2.
6 - دائرة المعارف- بطرس البستانى- ط دار المعرفة بيروت ج 11.

بين السلاجقة والصليبيين

تاريخ دولة آل سلجوق

يا عمر تدمري، إن طرابلس بلدك، وأنت تعرف أنها صمدت بأبطالها الشيعة بني عمار عشر سنين في وجه الصليبيين تقاتلهم، وتذودهم، وتتحمل مرارة حصارهم لها.
وإنها لم تستنجد بمصر؛ لأن مصر كانت هي الأخرى تقاتل الصليبيين، وتدفعهم عن حمى الإسلام بقواها المحدودة التي لا تستطيع أن تستغني عن جندي واحد منهم..
لقد استنجدت بأسلافك في بغداد الراتعين في دعة العيش المتنعمين بغضارة الحياة!..
لقد استنجد وفدها بهم فردوه خائبا! وتركوها تلاقي مصيرها وحيدة!..
لقد كنت انتظر منك كل شيء.. ولكن لم يدر بخلدي أبدا أنك ستتبنى الأكاذيب المصوغة بالبذاءة وانعدام الحياء!..
بين السلاجقة والصليبيين
سنة 491 هـ كان الصليبيون يحتلون إنطاكية ويتوغلون منها في بلاد الشام قاصدين القدس.
ويقول ابن الأثير عن حاكم إنطاكية السلجوقي (باغي سيان) إنه بمجرد أن سمع صوت بوق الإفرنج يضرب عند السحر، وكان مع البوق عدد من الصليبيين لا يزيد على الخمسمائة لما سمع (باغي سيان) صوت البوق دخله الرعب، ففتح باب البلد وخرج هاربا على وجهه، فجاء نائبه في حفظ البلد فسأل عنه، فقيل إنه هرب، فخرج من باب آخر هاربا، وكان ذلك معونة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا.
ويقول ابن الأثير بعد ذلك بسطور: وكان الإفرنج قد كاتبوا صاحبي حلب ودمشق (السلجوقيين) بأننا لا نقصد غير البلاد التي كانت بيد الروم، لا نطلب سواها، مكرا منهم وخديعة، حتى لا يساعدا صاحب إنطاكية.
هكذا سلم السلاجقة باب العالم الإسلامي مفتوحا للصليبيين، فدخلوا منه حتى وصلوا إلى القدس! هرب حامي الباب بسماعه صوت البوق فلم يرم بسهم،

موقعة عين شمس بمصر وهزيمة الروم الصليبيين على أيدي المسلمين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

موقعة عين شمس بمصر وهزيمة الروم الصليبيين على أيدي المسلمين.
19 - 639 م
عندما حاصر المسلمون عين شمس ارتقى الزبير بن العوام السور فلما أحس أهلها بذلك انطلقوا باتجاه الباب الآخر الذي عليه عمرو بن العاص ولكن الزبير كان قد اخترق الباب عنوة ووصل إلى الباب الذي عليه عمرو ولكن أهل عين شمس كانوا قد سبقوه وصالحوا عمرو فأمضى الزبير الصلح وكان قد وجه عبدالله بن حذافة إلى عين شمس فغلب على أرضها وصالح أهل قراها على مثل صلح الفسطاط.

البابا (أوربان الثاني) يعلن الحرب الصليبية الأولى على العالم الإسلامي (الأتراك).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

البابا (أوربان الثاني) يعلن الحرب الصليبية الأولى على العالم الإسلامي (الأتراك).
488 - 1095 م
تلقى البابا أوربان الثاني نداء من الإمبراطور البيزنطي إلكسيس كومنين يطلب منه العون ضد السلاجقة الأتراك، فيعقد البابا مجمعا كنسيا في مدينة كليرمون فران في فرنسا ويعلن الحرب الصليبية الأولى على الأتراك ويدعو إلى وقف الحرب بين الملوك والأمراء المسيحيين في أوربا وتوجههم بأسلحتهم لحرب الكفرة على حد تعبيرهم، ويعلن أن كل من يشترك في هذه الحرب تغفر له ذنوبه وتتولى الكنيسة حماية مملكته وكان ريمون الرابع أمير تولوز أول من لبى النداء وتولى قيادة الحملة الصليبية الأولى، كما طلب البابا من أساقفة الكنيسة الكاثوليكية الدعوة للحرب الصليبية بين العامة وكان أبرز من تولى الدعوة الأسقف بطرس الناسك.

قيام الحملة الصليبية الأولى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام الحملة الصليبية الأولى.
489 - 1095 م
كان البابا الثاني قد دعا إلى الحرب الصليبية ضد المسلمين واستجاب أمراء أوربا لهذا النداء فأوقفوا الحروب بينهم وأعدوا حملة صليبية منظمة اشترك فيها فروا ده بويون أمير مقاطعة اللورين السفلى وأخوه بودوان وريمون أمير تولوز وبروفانس وبوهمند النورماندي أمير تارانت وابن أخته تانكرد وروبير أمير نورماندي وهو ابن وليم الفاتح وصهره اتيان أمير مقاطعة بلوا وشارتر، وبدؤوا بالمسير من مدينة كولونيا إلى بلاد البلقان.

سقوط مدينة نيقية عاصمة دولة السلاجقة في أيدي الصليبيين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

سقوط مدينة نيقيّة عاصمة دولة السلاجقة في أيدي الصليبيين.
490 رجب - 1097 م
سقطت مدينة نيقية عاصمة دولة السلاجقة في أيدي الصليبيين في حملتهم الصليبية الأولى، وهي الحملة التي أسفرت عن قيام 4 إمارات صليبية هي: إمارة الرها، وأنطاكية، وطرابلس، ومملكة بيت المقدس. حيث عبرت مضيق البسفور متجهة نحو دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى، فسقطت عاصمتهم «نيقيَّة» في أيديهم.

قيام موقعة "حارم" بين الصليبيين والقوات الإسلامية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام موقعة "حارم" بين الصليبيين والقوات الإسلامية.
491 ربيع الأول - 1098 م
حدثت موقعة "حارم" بين الصليبيين والقوات الإسلامية عند حصن حارم بالقرب من حلب، وكان ذلك في أثناء الحملة الصليبية الأولى، وانتهت المعركة بانتصار القوات الصليبية.

الصليبيون يستولون على معرة النعمان ويؤسسون إمارة الرها الصليبية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصليبيون يستولون على معرة النعمان ويؤسسون إمارة الرها الصليبية.
491 ذو الحجة - 1098 م
أقام الفرنج بأنطاكية، بعد أن ملكوها، اثني عشر يوماً ليس لهم ما يأكلونه، وتقوت الأقوياء بدوابهم، والضعفاء بالميتة وورق الشجر، فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد، فلم يعطهم ما طلبوا، وقال: لا تخرجون إلا بالسيف، وكان معهم من الملوك بردويل، وصنجيل، وكندفري، والقمص، صاحب الرها، وبيمنت، صاحب أنطاكية، وهو المقدم عليهم. وكان معهم راهب مطاع فيهم، وكان داهية من الرجال، فقال لهم: إن المسيح، عليه السلام، كان له حربة مدفونة بالقسيان الذي بأنطاكية، وهو بناء عظيم، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون، وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق وكان قد دفن قبل ذلك حربة في مكان فيه، وعفى أثرها، وأمرهم بالصوم والتوبة، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع جميعهم، ومعهم عامتهم، والصناع منهم، وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر، فقال لهم: أبشروا بالظفر، فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة، وستة، ونحو ذلك، فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن تقف على الباب، فتقتل كل من يخرج، فإن أمرهم الآن، وهم متفرقون، سهل. فقال: لا تفعلوا أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم. ولم يمكن من معاجلتهم، فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين، فجاء إليهم هو بنفسه، ومنعهم، ونهاهم، فلما تكامل خروج الفرنج، ولم يبق بأنطاكية أحد منهم، ضربوا مصافاً عظيماً، فولى المسلمون منهزمين، لما عاملهم به كربوقا أولاً من الاستهانة بهم، والإعراض عنهم، وثانياً من منعهم عن قتل الفرنج، وتمت الهزيمة عليهم، ولم يضرب أحد منهم بسيف، ولا طعن برمح، ولا رمى بسهم، وآخر من انهزم سقمان بن أرتق، وجناح الدولة، لأنهما كانا في الكمين، وانهزم كربوقا معهم. فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة، إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله، وخافوا أن يتبعوهم، وثبت جماعة من المجاهدين، وقاتلوا حسبة، وطلباً للشهادة، فقتل الفرنج منهم ألوفاً، وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة، فصلحت حالهم، وعادت إليهم قوتهم، فلما فعل الفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا إلى معرة النعمان، فنازلوها، وحصروها، وقاتلهم أهلها قتالاً شديداً، ورأى الفرنج منهم شدة ونكاية، ولقوا منهم الجد في حربهم، والاجتهاد في قتالهم، فعملوا عند ذلك برجاً من خشب يوازي سور المدينة، ووقع القتال عليه، فلم يضر المسلمين ذلك، فلما كان الليل خاف قوم من المسلمين، وانتابهم الفشل والهلع، وظنوا أنهم إذا تحصنوا ببعض الدور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا من السور وأخلوا الموضع الذي كانوا يحفظونه، فرآهم طائفة أخرى، ففعلوا كفعلهم، فخلا مكانهم أيضاً من السور، ولم تزل تتبع طائفة منهم التي تليها في النزول، حتى خلا السور، فصعد الفرنج إليه على السلاليم، فلما علوه تحير المسلمون، ودخلوا دورهم، فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام، فقتلوا ما يزيد على مائة ألف، وسبوا السبي الكثير، وملكوه، وأقاموا أربعين يوماً. وساروا إلى عرقة فحصروها أربعة أشهر، ونقبوا سورها عدة نقوب، فلم يقدروا عليها، وراسلهم منقذ، صاحب شيزر، فصالحهم عليها، وساروا إلى حمص وحصروها، فصالحهم صاحبها جناح الدولة، وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا، فلم يقدروا عليها.

الصليبيون يستولون على بيت المقدس ويذبحون سبعين ألف مسلم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصليبيون يستولون على بيت المقدس ويذبحون سبعين ألف مسلم.
492 شعبان - 1099 م
كان البيت المقدس تحت حكم الفاطميين ولهم فيه رجل نائب يعرف بافتخار الدولة، وبقي فيه إلى الآن، فقصده الفرنج، بعد أن حصروا عكا، فلم يقدروا عليها، فلما وصلوا إليه حصروه نيفاً وأربعين يوماً، ونصبوا عليه برجين أحدهما من ناحية صهيون، وأحرقه المسلمون، وقتلوا كل من به، فلما فرغوا من إحراقه أتاهم المستغيث بأن المدينة قد ملكت من الجانب الآخر، وملكوها من جهة الشمال منه ضحوة نهار يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان، وركب الناس السيف، ولبث الفرنج في البلدة أسبوعاً يقتلون فيه المسلمين، واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود، فاعتصموا به، وقاتلوا فيه ثلاثة أيام، فبذل لهم الفرنج الأمان، فسلموه إليهم، ووفى لهم الفرنج، وخرجوا ليلاً إلى عسقلان فأقاموا بها وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين، وعلمائهم، وعبادهم، وزهادهم، وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء، وورد المستنفرون من الشام، في رمضان، إلى بغداد ولكن قدر الله أن اختلف السلاطين فتمكن الفرنج من البلاد.

حرب العبيديين (الفاطميين) مع الصليبيين في عسقلان ويافا وقيسارية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

حرب العبيديين (الفاطميين) مع الصليبيين في عسقلان ويافا وقيسارية.
492 رمضان - 1099 م
كانت وقعة بين العساكر المصرية والفرنج، قيل في سببها أن المصريين لما بلغهم ما تم على أهل القدس، جمع الأفضل أمير الجيوش العساكر، وحشد، وسار إلى عسقلان، وأرسل إلى الفرنج ينكر عليهم ما فعلوا، ويتهددهم، فأعادوا الرسول بالجواب ورحلوا على أثره، وطلعوا على المصريين، عقيب وصول الرسول، ولم يكن عند المصريين خبر من وصولهم، ولا من حركتهم، ولم يكونوا على أهبة القتال، فنادوا إلى ركوب خيولهم، ولبسوا أسلحتهم، وأعجلهم الفرنج، فهزموهم، وقتلوا منهم من قتل، وغنموا ما في المعسكر من مال وسلاح وغير ذلك وانهزم الأفضل، فدخل عسقلان، ومضى جماعة من المنهزمين فاستتروا بشجر الجميز، فأحرق الفرنج بعض الشجر، حتى هلك من فيه، وقتلوا من خرج منه، وعاد الأفضل في خواصه إلى مصر، ونازل الفرنج عسقلان، وضايقوها، فبذل لهم أهلها قطيعة اثني عشر ألف دينار، وقيل: عشرين ألف دينار، ثم عادوا إلى القدس.

محاولة الصليبيين دخول دمشق.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

محاولة الصليبيين دخول دمشق.
493 ذو القعدة - 1100 م
أقبل ملك الفرنج في ثلاثمائة ألف مقاتل فالتقى معه ستكين بن انشمند طايلو، إتابك دمشق الذي يقال له أمين الدولة، واقف الأمينية بدمشق وببصرى، فهزم الإفرنج وقتل منهم خلقا كثيرا، بحيث لم ينج منهم سوى ثلاثة آلاف، وأكثرهم جرحى - يعني الثلاثة آلاف - ولحقهم إلى ملطية فملكها وأسر ملكها ولله الحمد.

الصليبيون يستولون على الخليل وحيفا ويافا ويحاصرون عكا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصليبيون يستولون على الخليل وحيفا ويافا ويحاصرون عكا.
494 - 1100 م
سار كندفري، ملك الفرنج بالشام، وهو صاحب بيت المقدس، إلى مدينة عكة، بساحل الشام، فحصرها، فأصابه سهم فقتله، وكان قد عمر مدينة يافا وسلمها إلى قمص من الفرنج اسمه طنكري، فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين إلى البيت المقدس في خمسمائة فارس وراجل، فبلغ الملك دقاق، صاحب دمشق، خبره، فنهض إليه في عسكره، ومعه الأمير جناح الدولة في جموعه، فقاتله، فنصر على الفرنج، وملك الفرنج مدينة سروج من بلاد الجزيرة، وسبب ذلك أن الفرنج كانوا قد ملكوا مدينة الرها بمكاتبة من أهلها لأن أكثرهم أرمن، وليس بها من المسلمين إلا القليل، فلما كان الآن جمع سقمان بسروج جمعاً كثيراً من التركمان، وزحف إليهم، فلقوه وقاتلوه، فهزموه في ربيع الأول. فلما تمت الهزيمة على المسلمين سار الفرنج إلى سروج، فحصروها وتسلموها، وقتلوا كثيراً من أهلها وسبوا حريمهم، ونهبوا أموالهم، ولم يسلم إلا من مضى منهزماً وملك الفرنج مدينة حيفا، وهي بالقرب من عكة على ساحل البحر، ملكوها عنوة، وملكوا أرسوف بالأمان، وأخرجوا أهلها منها، وفي رجب، ملكوا مدينة قيسارية بالسيف، وقتلوا أهلها، ونهبوا ما فيها.

الصليبيون يحاصرون طرابلس.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصليبيون يحاصرون طرابلس.
495 - 1101 م
كان صنجيل الفرنجي، لعنه الله، قد لقي قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، صاحب قونية، وكان صنجيل في مائة ألف مقاتل، وكان قلج أرسلان في عدد قليل، فاقتتلوا، فانهزم الفرنج وقتل منهم كثير، وأسر كثير، وعاد قلج أرسلان بالغنائم، والظفر الذي لم يحسبه. ومضى صنجيل مهزوماً في ثلاثمائة، فوصل إلى الشام، فأرسل فخر الملك بن عمار، صاحب طرابلس، إلى الأمير ياخز، خليفة جناح الدولة على حمص، يقول: من الصواب أن يعاجل صنجيل إذ هو في هذه العدة القريبة، فخرج الأمير ياخز بنفسه، وسير دقاق ألفي مقاتل، وأتتهم الأمداد من طرابلس، فاجتمعوا على باب طرابلس، وصافوا صنجيل هناك، فأخرج مائة من عسكره إلى أهل طرابلس، ومائة إلى عسكر دمشق، وخمسين إلى عسكر حمص، وبقي هو في خمسين. فأما عسكر حمص فإنهم انكسروا عند المشاهدة، وولوا منهزمين، وتبعهم عسكر دمشق. وأما أهل طرابلس فإنهم قاتلوا المائة الذين قاتلوهم، فلما شاهد ذلك صنجيل حمل في المائتين الباقيتين، فكسروا أهل طرابلس، وقتلوا منهم سبعة آلاف رجل، ونازل صنجيل طرابلس وحصرها. وأتاه أهل الجبل فأعانوه على حصارها، وكذلك أهل السواد، وأكثرهم نصارى، فقاتل من بها أشد قتال، فقتل من الفرنج ثلاثمائة، ثم إنه هادنهم على مال وخيل، فرحل عنهم إلى مدينة أنطرسوس، وهي من أعمال طرابلس، فحصرها، وفتحها، وقتل من بها من المسلمين، ورحل إلى حصن الطوبان، وهو يقارب رفنية، ومقدمه يقال له ابن العريض، فقاتلهم، فنصر عليه أهل الحصن، وأسر ابن العريض منه فارساً من أكابر فرسانه، فبذل صنجيل في فدائه عشرة آلاف دينار وألف أسير، فلم يجبه ابن العريض إلى ذلك.

العبيديون (الفاطميون) يهزمون الصليبيين قرب الرملة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

العبيديون (الفاطميون) يهزمون الصليبيين قرب الرملة.
496 - 1102 م
كان الأفضل أمير الجيوش بمصر قد أنفذ مملوكاً لأبيه- لقبه سعد الدولة، ويعرف بالطواشي- إلى الشام لحرب الفرنج، فلقيهم بين الرملة ويافا، ومقدم الفرنج يعرف ببغدوين، لعنه الله تعالى، وتصافوا واقتتلوا، فحملت الفرنج حملة صادقة، فانهزم المسلمون. وكان المنجمون يقولون لسعد الدولة: إنك تموت متردياً، فكان يحذر من ركوب الخيل، حتى إنه ولي بيروت وأرضها مفروشة بالبلاط، فقلعه خوفاً أن يزلق به فرسه، أو يعثر، فلم ينفعه الحذر عند نزول القدر، فلما كانت هذه الوقعة انهزم، فتردى به فرسه، فسقط ميتاً، وملك الفرنج خيمه وجميع ما للمسلمين. فأرسل الأفضل بعده ابنه شرف المعالي في جمع كثير، فالتقوا هم والفرنج بيازوز، بقرب الرملة، فانهزم الفرنج، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وعاد من سلم منهم مغلولين، فلما رأى بغدوين شدة الأمر، وخاف القتل والأسر، ألقى نفسه في الحشيش واختفى فيه، فلما أبعد المسلمون خرج منه إلى الرملة. وسار شرف المعالي بن الأفضل من المعركة، ونزل على قصر بالرملة، وبه سبعمائة من أعيان الفرنج، وفيهم بغدوين، فخرج متخفياً إلى يافا، وقاتل ابن الأفضل من بقي خمسة عشر يوماً، ثم أخذهم، فقتل منهم أربعمائة صبراً، وأسر ثلاثمائة إلى مصر. ثم اختلف أصحابه في مقصدهم، فقال يوم: نقصد البيت المقدس ونتملكه، وقال قوم: نقصد يافا ونملكها فبينما هم في هذا الاختلاف، إذ وصل إلى الفرنج خلق كثير في البحر، قاصدين زيارة البيت المقدس، فندبهم بغدوين للغزو معه، فساروا إلى عسقلان، وبها شرف المعالي، فلم يكن يقوى بحربهم، فلطف الله بالمسلمين، فرأى الفرنج البحرية حصانة عسقلان، وخافوا البيات، فرحلوا إلى يافا، وعاد ولد الأفضل إلى أبيه، فسير رجلاً يقال له تاج العجم في البر، وهو من أكبر مماليك أبيه، وجهز معه أربعة آلاف فارس، وسير في البحر رجلاً يقال له القاضي ابن قادوس، في الأسطول على يافا، ونزل تاج العجم على عسقلان، فاستدعاه ابن قادوس إليه ليتفقا على حرب الفرنج، فقال تاج العجم: ما يمكنني أن أنزل إليك إلا بأمر الأفضل، ولم يحضر عنده، ولا أعانه، فأرسل القادوسي إلى قاضي عسقلان، وشهودها، وأعيانها، وأخذ خطوطهم بأنه أقام على يافا عشرين يوماً، واستدعى تاج العجم، فلم يأته، ولا أرسل رجلاً، فلما وقف الأفضل على الحال أرسل من قبض على تاج العجم، وأرسل رجلاً، لقبه جمال الملك، فأسكنه عسقلان، وجعله متقدم العساكر الشامية.

انتصار المسلمين على الصليبيين في معركة حران.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

انتصار المسلمين على الصليبيين في معركة حران.
497 - 1103 م
كانت حران لمملوك من مماليك ملكشاه اسمه قراجه، فاستخلف عليها إنساناً يقال له محمد الأصبهاني، وخرج في العام الماضي، فعصى الأصبهاني على قراجه، ثم قتل محمد الأصبهاني، قتله غلام لقراجه، فعند ذلك سار الفرنج إلى حران وحصروها، فلما سمع معين الدولة سقمان، وشمس الدولة جكرمش ذلك، وكان بينهما حرب، أرسل كل منهما إلى صاحبه يدعوه إلى الاجتماع معه لتلافي أمر حران، ويعلمه أنه قد بذل نفسه لله تعالى، وثوابه، فكل واحد منهما أجاب صاحبه إلى ما طلب منه، وسارا، فاجتمعا على الخابور، وتحالفا، وسارا إلى لقاء الفرنج، فالتقوا على نهر البليخ، وكان المصاف بينهم هناك، فاقتتلوا، فأظهر المسلمون الانهزام، فتبعهم الفرنج نحو فرسخين، فعاد عليهم المسلمون فقتلوهم كيف شاؤوا، وامتلأت أيدي التركمان من الغنائم، ووصلوا إلى الأموال العظيمة، لأن سواد الفرنج كان قريباً، وكان بيمند، صاحب أنطاكية، وطنكري، صاحب الساحل، قد انفردا وراء جبل ليأتيا المسلمين من وراء ظهورهم، إذا اشتدت الحرب، فلما خرجا رأيا الفرنج منهزمين، وسوادهم منهوباً، فأقاما إلى الليل، وهربا، فتبعهما المسلمون، وقتلوا من أصحابهما كثيراً، وأسروا كذلك، وأفلتا في ستة فرسان، وكان القمص بردويل، صاحب الرها، قد انهزم مع جماعة من قمامصتهم، وخاضوا نهر البليخ، فوجلت خيولهم، فجاء تركماني من أصحاب سقمان فأخذهم، وحمل بردويل إلى خيم صاحبه، وقد سار فيمن معه لاتباع بيمند، فرأى أصحاب جكرمش أن أصحاب سقمان قد استولوا على مال الفرنج، ويرجعون هم من الغنيمة بغير طائل، فقالوا لجكرمش: أي منزلة تكون لنا عند الناس، وعند التركمان إذا انصرفوا بالغنائم دوننا؟ وحسنوا له أخذ القمص، فأنفذ فأخذ القمص من خيم سقمان، فلما عاد سقمان شق عليه الأمر، وركب أصحابه للقتال، فردهم، وقال لهم: لا يقوم فرح المسلمين في هذه الغزاة بغمهم باختلافنا، ولا أؤثر شفاء غيظي بشماتة الأعداء بالمسلمين. ورحل لوقته، وأخذ سلاح الفرنج، وراياتهم، وألبس أصحابه لبسهم، وأركبهم خيلهم، وجعل يأتي حصون شيحان، وبها الفرنج، فيخرجون ظناً منهم أن أصحابهم نصروا، فيقتلهم ويأخذ الحصن منهم، فعل ذلك بعدة حصون. وأما جكرمش فإنه سار إلى حران، فتسلمها، واستخلف بها صاحبه. وسار إلى الرها، فحصرها خمسة عشر يوماً، وعاد إلى الموصل ومعه القمص الذي أخذه من خيام سقمان، ففاداه بخمسة وثلاثين ديناراً، ومائة وستين أسيراً من المسلمين، وكان عدة القتلى من الفرنج يقارب اثني عشر ألف قتيل.

الصليبيون يحاصرون مدن الساحل وطرابلس وصور.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصليبيون يحاصرون مدن الساحل وطرابلس وصور.
501 - 1107 م
جمع بغدوين ملك الفرنج عسكره وقصد مدينة صور وحصرها، وأمر ببناء حصن عندها، على تل المعشوقة، وأقام شهراً محاصراً لها، فصانعه واليها على سبعة آلاف دينار، فأخذها ورحل عن المدينة، وقصد مدينة صيدا، فحصرها براً وبحراً ونصب عليها البرج الخشب، ووصل الأسطول المصري في الدفع عنها، والحماية لمن فيها، فقاتلهم أسطول الفرنج، فظهر المسلمون عليهم، فاتصل الفرنج مسير عسكر دمشق نجدة لأهل صيدا، فرحلوا عنها بغير فائدة.

الصليبيون يؤسسون إمارة طرابلس الصليبية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصليبيون يؤسسون إمارة طرابلس الصليبية.
502 - 1108 م
هاجم الصليبيون دمشق من جهة الشمال عام 497هـ ولكنهم هزموا، وأسر أمير الرها الصليبي غير أنهم استطاعوا في العام نفسه أن يدخلوا حصن أفاميا. لقد دعم العبيديون الصليبيين في أول الأمر ووجدوا فيهم حلفاء طبيعيين ضد السلاجقة خصومهم، واتفقوا معهم على أن يحكم الصليبيون شمالي بلاد الشام ويحكم العبيديون جنوبها، وقد دخلوا بيت المقدس غير أن الصليبيين عندما أحسوا بشيء من النصر تابعوا تقدمهم واصطدموا بالعبيديين، وبدأت الخلافات بينهما، فالعبيديون قد قاتلوا الصليبيين دفاعاً عن مناطقهم وخوفاً على أنفسهم ولم يقاتلوهم دفاعاً عن الإسلام وحماية لأبنائه، ولو استمر الصليبيون في اتفاقهم مع العبيديين لكان من الممكن أن يتقاسموا وإياهم ديار الإسلام. لقد استقبل سكان البلاد من النصارى والأرمن الصليبيين استقبالاً حاراً ورحبوا بهم ترحيباً كبيراً، وقد ظهر هذا في أثناء دخولهم أنطاكية وبيت المقدس، كما قد دعموهم في أثناء وجودهم في البلاد وقدموا لهم كل المساعدات، وقاتلوا المسلمين، وكانوا عيوناً عليهم للصليبيين. وتشكلت أربع إمارات صليبية في بلاد الشام وهي: إمارة في الرها، إمارة في طرابلس، إمارة بيت المقدس، إمارة أنطاكية. ولم يجد الصليبيون الأمن والاستقرار في بلاد الشام في المناطق التي سيطروا عليها وشكلوا فيها إمارات رغم انتصارهم إذ كان السكان المسلمون ينالون منهم كلما سنحت لهم الفرصة، كما يغير عليهم الحكام المسلمون في سبيل إخراجهم من البلاد ودفاعاً عن عقائدهم ومقدساتهم التي كان الصليبيون ينتهكونها.

سقوط طرابلس في يد الصليبيين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

سقوط طرابلس في يد الصليبيين.
503 ذو الحجة - 1110 م
في حادي عشر ذي الحجة، ملك الفرنج طرابلس، وسبب ذلك أن طرابلس كانت قد صارت في حكم صاحب مصر ونائبه فيها، والمدد يأتي إليها منه، فلما كانت هذه السنة، أول شعبان، وصل أسطول كبير من بلد الفرنج في البحر، ومقدمهم قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل ومراكبه مشحونة بالرجال، والسلاح، والميرة، فنزل على طرابلس، وكان نازلاً عليها قبله السرداني ابن أخت صنجيل، فجرى بينهما فتنة أدت إلى الشر والقتال، فوصل طنكري صاحب أنطاكية إليها، معونة للسرداني، ووصل الملك بغدوين، صاحب القدس، في عسكره، فأصلح بينهم، ونزل الفرنج جميعهم على طرابلس، وشرعوا في قتالها، ومضايقة أهلها، من أول شعبان، وألصقوا أبراجهم بسورها، فلما رأى الجند وأهل البلد ذلك سقط في أيديهم، وذلت نفوسهم، وزادهم ضعفاً تأخر الأسطول المصري عنهم بالميرة والنجدة، ومد الفرنج القتال عليها من الأبراج والزحف، فهجموا على البلد وملكوه عنوة وقهراً يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ونهبوا ما فيها، وأسروا الرجال، وسبوا النساء والأطفال، ونهبوا الأموال، وغنموا من أهلها من الأموال، والأمتعة، وكتب دور العلم الموقوفة، ما لا يحد ولا يحصى، فإن أهلها كانوا من أكثر أهل البلاد أموالاً وتجارة، وسلم الوالي الذي كان بها، وجماعة من جندها كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فوصلوا إلى دمشق، وعاقب الفرنج أهلها بأنواع العقوبات، وأخذت دفائنهم وذخائرهم في مكامنهم.

الثورة على الخليفة العباسي المستظهر بسبب التوسعات الصليبية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الثورة على الخليفة العباسي المستظهر بسبب التوسعات الصليبية.
504 - 1110 م
كان الفرنجة الساعون للمجد والثروة والسرقة والنهب تحت شعار الصليب قد عاثوا فسادا أثناء اجتياحهم للمدن والقرى عبر آسيا الصغرى واحتلالهم الأراضي على طول الطريق وصولا للقدس. وترتب على السقوط الدموي للقدس أن هاجرت جموع كثيرة من سكان ساحل الشام إلى دمشق .... وفي دمشق استقبل قاضي المدينة ذو الأصل الأفغاني أبو سعد الهروي اللاجئين اللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين، وقر قراره على أن يسير بهم إلى بغداد حاضرة الأمة وزاهرة العرب حيث ديوان الخليفة المستظهر بالله العباسي. كانت أخبار القتل والتشريد والتعذيب والسبي والسلب تصل إلى دمشق عبر المهاجرين، الذين فَجَعوا المدينة بأحزانهم، ولما كان الأمل في حاكم دمشق التركي مفقودا توجه القاضي أبو سعد الهروي مع وفد من اللاجئين العرب إلى بغداد قاصدين السلطان (بركيارق) والخليفة العباسي المستظهر بالله.

الإمبراطور البيزنطي يستنجد بالخليفة العباسي والسلطان السلجوقي ضد الصليبيين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الإمبراطور البيزنطي يستنجد بالخليفة العباسي والسلطان السلجوقي ضد الصليبيين.
505 - 1111 م
ورد رسول ملك الروم إلى السلطان يستنفره على الفرنج، ويحثه على قتالهم ودفعهم عن البلاد، وكان أهل حلب يقولون للسلطان: أما تتقي الله تعالى أن يكون ملك الروم أكثر حمية منك للإسلام، حتى أرسل إليك في جهادهم.

أمير دمشق طغتكين يحالف الصليبيين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

أمير دمشق طغتكين يحالف الصليبيين.
508 - 1114 م
كان طغتكين أمير دمشق قد استوحش من السلطان لأنه نسب إليه قتل مودود، فاتفق هو وإيلغازي على الامتناع، والالتجاء إلى الفرنج، والاحتماء بهم وإيلغازي كان ناقما على أتسز البرسقي لأسره إياه، فراسلا صاحب أنطاكية، وحالفاه، فحضر عندهما على بحيرة قدَس، عند حمص، وجددوا العهود، وعاد إلى أنطاكية، وعاد طغتكين إلى دمشق، وسار إيلغازي إلى الرستن قاصدا ديار بكر فتم أسره مرة أخرى.

انتصار الصليبيين على المسلمين في معركة "تل دانيث".

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

انتصار الصليبيين على المسلمين في معركة "تل دانيث".
509 ربيع الثاني - 1115 م
انتصر الصليبيون بقيادة "دوجر دي سالرنو" حاكم إمارة إنطاكية على المسلمين في معركة "تل دانيث"، في 23 من ربيع الآخر من هذه السنة، وقد وضع هذا الانتصار نهاية الخطر السلجوقي الذي كان يتهدد الصليبيين، وعد هذا النصر أهم انتصار حققه الصليبيون منذ الحملة الصليبية الأولى.

بلاد الجزيرة (العراق) استرد المسلمون مقاطعة (الرها) من الصليبيين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

بلاد الجزيرة (العراق) استرد المسلمون مقاطعة (الرها) من الصليبيين.
510 - 1116 م
توفي جاولي سقاوو، وكان السلطان ببغداد عازماً على المقام بها، فاضطر إلى المسير إلى أصبهان ليكون قريباً من فارس، لئلا تختلف عليه، فلما قصد السلطان ورضي عنه أقطعه بلاد فارس، فسار جاولي إليها، ومعه ولد السلطان جغري، وهو طفل له من العمر سنتان، وأمره بإصلاحها، وقمع المفسدين بها، فسار إليها، فأول ما اعتمده فيها أنه لم يتوسط بلاد الأمير بلدجي، وهو من كبار مماليك السلطان ملكشاه، ومن جملة بلاده كليل وسرماه، وكان متمكناً بتلك البلاد. وراسله جاولي ليحضر خدمة جغري، ولد السلطان، وعلم جغري أن يقول بالفارسية: خذوه، فلما دخل بلدجي قال جغري، على عادته: خذوه، فأخذ وقتل، ونهبت أمواله. وكان لبلدجي، من جملة حصونه، قلعة إصطخر، وهي من أمنع القلاع وأحصنها، وكان بها أهله وذخائره، وقد استناب في حفظها وزيراً له يعرف بالجهرمي، فعصى عليه، وأخرج إليه أهله وبعض المال، ولم تزل في يد الجهرمي حتى وصل جاولي إلى فارس فأخذها منه، وجعل فيها أمواله. وكان بفارس جماعة من أمراء الشوانكارة، وهم خلق كثير لا يحصون، ومقدمهم الحسن بن المبارز، المعروف بخسرو، وله فسا وغيرها، فراسله جاولي ليحضر خدمة جغري، فأجاب: إنني عبد السلطان، وفي طاعته، فأما الحضور فلا سبيل إليه، لأنني قد عرفت عادتك مع بلدجي وغيره، ولكنني أحمل إلى السلطان ما يؤثره. فلما سمع جاولي جوابه علم أنه لا مقام له بفارس معه، فأظهر العود إلى السلطان، وحمل أثقاله على الدواب، وسار كأنه يطلب السلطان، ورجع الرسول إلى خسرو فأخبره، فاغتر وقعد للشرب، وأمن. وأما جاولي فإنه عاد من الطريق إلى خسرو جريدة في نفر يسير، فوصل إليه وهو مخمور نائم، فكبسه، فأنبهه أخوه فضلوه، فلم يستيقظ، فصب عليه الماء البارد، فأفاق، وركب من وقته وانهزم، وتفرق أصحابه، ونهب جاولي ثقله وأمواله، وأكثر القتل في أصحابه، ونجا خسرو إلى حصنه، وهو بين جبلين، يقال لأحدهما أنج. وسار جاولي إلى مدينة فسا فتسلمها، ونهب كثيراً من بلاد فارس منها جهرم، وسار إلى خسرو، وحصره مدة، وضيق عليه، فرأى من امتناع حصنه وقوته، وكثرة ذخائره ما علم معه أن المدة تطول عليه، فصالحه ليشتغل بباقي بلاد فارس، ورحل عنه إلى شيراز، فأقام بها، ثم توجه إلى كارزون فملكها، وحصر أبا سعد محمدا في قلعته، وأقام عليها سنتين صيفاً وشتاء، فراسله جاولي في الصلح، فقتل الرسول، فأرسل إليه قوماً من الصوفية، فأطعمهم الهريسة والقطائف، ثم أمر بهم فخيطت أدبارهم وألقوا في الشمس فهلكوا، ثم نفذ ما عند أبي سعد، فطلب الأمان فأمنه، وتسلم الحصن. ثم إن جاولي أساء معاملته، فهرب، فقبض على أولاده، وبث الرجال في أثره، فرأى بعضهم زنجياً يحمل شيئاً، فقال: ما معك؟ فقال: زادي، ففتشه، فرأى دجاجاً، وحلواء السكر، فقال: ما هذا من طعامك! فضربه، فأقر على أبي سعد، وأنه يحمل ذلك إليه، فقصدوه، وهو في شعب جبل، فأخذه الجندي وحمله إلى جاولي فقتله. وسار إلى داربجرد، وصاحبها اسمه إبراهيم، فهرب صاحبها منه إلى كرمان خوفاً منه، وكان بينه وبين صاحب كرمان صهر، وهو أرسلانشاه بن كرمانشاه بن أرسلان بك بن قاورت، فقال له: لو تعاضدنا لم يقدر علينا جاولي، وطلب منه النجدة وسار جاولي بعد هربه منه إلى حصار رتيل رننه، يعني مضيق رننه، وهو موضع لم يؤخذ قهراً قط، لأنه واد نحو فرسخين، وفي صدره قلعة منيعة على جبل عال، وأهل داربجرد يتحصنون به إذا خافوا، فأقاموا به، وحفظوا أعلاه. فلما رأى جاولي حصانته سار يطلب البرية نحو كرمان، كاتماً أمره، ثم رجع من طريق كرمان إلى داربجرد، مظهراً أنه من عسكر الملك أرسلانشاه، صاحب كرمان، فلم يشك أهل الحصن أنهم مدد لهم مع صاحبهم، فأظهروا السرور، وأذنوا له في دخول المضيق، فلما دخله وضع السيف فيمن هناك، فلم ينج غير القليل، ونهب أموال أهل داربجرد وعاد إلى مكانه، وراسل خسرو يعلمه أنه عازم على التوجه إلى كرمان، ويدعوه إليه، فلم يجد بداً من موافقته، فنزل إليه طائعاً، وسار معه إلى كرمان، وأرسل إلى صاحبها القاضي أبا طاهر عبد الله بن طاهر قاضي شيراز، يأمره بإعادة الشوانكارة لأنهم رعية السلطان، يقول: إنه متى أعادهم عاد عن قصد بلاده، وإلا قصده، فأعاد صاحب كرمان جواب الرسالة متضمنة الشفاعة فيهم، حيث استجاروا به. ولما وصل الرسول إلى جاولي أحسن إليه، وأجزل له العطاء، وأفسده على صاحبه، وجعله عيناً له عليه، وقرر معه إعادة عسكر كرمان ليدخل البلاد وهم غارون، فلما عاد الرسول وبلغ السيرجان، وبها عساكر صاحب كرمان، ووزيره مقدم الجيش، أعلم الوزير ما عليه جاولي من المقاربة، وأنه يفارق ما كرهوه، وأكثر من هذا النوع، وقال: لكنه مستوحش من اجتماع العساكر بالسيرجان، وإن أعداء جاولي طمعوا فيه بهذا العسكر، والرأي أن تعاد العساكر إلى بلادها. فعاد الوزير والعساكر، وخلت السيرجان، وسار جاولي في أثر الرسول، فنزل بفرج، وهي الحد بين فارس وكرمان، فحاصرها، فلما بلغ ذلك ملك كرمان أحضر الرسول وأنكر عليه إعادة العسكر، فاعتذر إليه. وكان مع الرسول فراش لجاولي ليعود إليه بالأخبار، فارتاب به الوزير، فعاقبه، فأقر على الرسول، فصلب، ونهبت أمواله، وصلب الفراش، وندب العساكر إلى المسير إلى جاولي، فساروا في ستة آلاف فارس. وكانت الولاية التي هي الحد بين فارس وكرمان بيد إنسان يسمى موسى، وكان ذا رأي ومكر، فاجتمع بالعسكر، وأشار عليهم بترك الجادة المسلوكة، وقال: إن جاولي محتاط منها، وسلك بهم طريقاً غير مسلوكة، بين جبال ومضايق. وكان جاولي يحاصر فرج، وقد ضيق على من بها، وهو يدمن الشرب، فسير أميراً في طائفة من عسكره ليلقى العسكر المنفذ من كرمان، فسار الأمير، فلم ير أحداً، فظن أنهم قد عادوا، فرجع إلى جاولي وقال: إن العسكر كان قليلاً، فعاد خوفاً منا، فاطمأن حينئذ جاولي، وأدمن شرب الخمر. ووصل عسكر كرمان إليه ليلاً، وهو سكران، نائم، فأيقظه بعض أصحابه وأخبره، فقطع لسانه، فأتاه غيره وأيقظه وعرفه الحال، فاستيقظ وركب وانهزم، وقد تفرق عسكره منهزمين، فقتل منهم وأسر كثير، وأدركه خسرو وابن أبي سعد الذي قتل جاولي أباه، فسارا معه في أصحابهما، فلم ير معه أحداً من أصحابه الأتراك، فخاف على نفسه منهم، فقالا له: إنا لا نغدر بك، ولن ترى منا إلا الخير والسلامة، وسارا معه، حتى وصل إلى مدينة فسا، واتصل به المنهزمون من أصحابه، وأطلق صاحب كرمان الأسرى وجهزهم، وكانت هذه الوقعة في شوال سنة ثمان وخمسمائة. وبينما جاولي يدبر الأمر ليعاود كرمان، ويأخذ بثأره، توفي الملك جغري ابن السلطان محمد، وعمره خمس سنين، وكانت وفاته في ذي الحجة سنة تسع وخمسمائة، ففت ذلك في عضده، فأرسل ملك كرمان رسولاً إلى السلطان، وهو ببغداد، يطلب منه منع جاولي عنه، فأجابه السلطان أنه لا بد من إرضاء جاولي وتسليم فرج إليه، فعاد الرسول في ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة، فتوفي جاولي، فأمنوا ما كانوا يخافونه، فلما سمع السلطان سار عن بغداد إلى أصبهان، خوفاً على فارس من صاحب كرمان.

تأسيس منظمة (فرسان المعبد) الصليبية بالقدس.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تأسيس منظمة (فرسان المعبد) الصليبية بالقدس.
512 - 1118 م
تأسست في القدس منظمة صليبية باسم فرسان المعبد وأقامت في موضع قرب هيكل سليمان، وقد انتسب إليها النبلاء والأشراف ووضع البابا لهم نظاما قاسيا ولباسا خاصا، ثم تحولت هذه المنظمة بعد انتهاء الحروب الصليبية إلى قبرص ثم إلى رودوس ثم إلى مالطة وعرفوا هناك باسم فرسان مالطة، وقيل: إن مهمة هذه المنظمة هي الحفاظ على مقدسات الكنيسة وحماية كل ما هو مرتبط من المقدسات سواء كانت أرواحا أو آثارا أو أي شيء له ارتباط بقداسة المسيحية عندهم، وقيل غير ذلك مما نسجوا هم حوله من الأساطير والقصص.

الصليبيون يحاولون غزو مصر وطغتكين صاحب دمشق يغزوهم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصليبيون يحاولون غزو مصر وطغتكين صاحب دمشق يغزوهم.
512 - 1118 م
بغدوين ملك القدس، كان قد سار إلى ديار مصر في جمع الفرنج، قاصداً ملكها والتغلب عليها، وقوي طمعه في الديار المصرية، وبلغ مقابل تنيس، وسبح في النيل، فانتقض جرح كان به، فلما أحس بالموت عاد إلى القدس، فمات، ووصى ببلاده للقمص صاحب الرها، وهو الذي كان أسره جكرمش، وأطلقه جاولي سقاوو، واتفق أن هذا القمص كان قد سار إلى القدس يزور بيعة قمامة، فلما وصى إليه بالملك قبله، واجتمع له القدس والرها. وكان بغدوين قد وصل إلى الفرما وأحرق جامعها وأبواب المدينة ومساجدها، وقتل بها رجلا مقعدا وابنة له ذبحها على صدره، ورحل وهو مثخن مرضا، فمات قبل العريش، فشق بطنه ورمى ما فيه هناك، فهو يرجم إلى اليوم، ويعرف مكانه بسبخة بردويل؛ ودفنت رمته بقمامة من القدس وكان أتابك طغتكين قد سار عن دمشق لقتال الفرنج، فنزل بين دير أيوب وكفر بصل باليرموك، فخفيت عنه وفاة بغدوين، حتى سمع الخبر بعد ثمانية عشر يوماً، وبينهم نحو يومين، فأتته رسل ملك الفرنج يطلب المهادنة، فاقترح عليه طغتكين ترك المناصفة التي بينهم من جبل عوف، والحنانة، والصلت، والغور، فلم يجب إلى ذلك، وأظهر القوة، فسار طغتكين إلى طبرية فنهبها وما حولها، وسار منها نحو عسقلان.

هزيمة الصليبيين في معركة سهل بلاط (سهل الحلقة).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

هزيمة الصليبيين في معركة سهل بلاط (سهل الحلقة).
513 - 1119 م
سار الفرنج من بلادهم إلى نواحي حلب، فملكوا بزاعة وغيرها، وخربوا بلد حلب ونازلوها، ولم يكن بحلب من الذخائر ما يكفيها شهراً واحداً، وخافهم أهلها خوفاً شديداً، ولو مكنوا من القتال لم يبق بها أحد، لكنهم منعوا من ذلك، وصانع الفرنج أهل حلب على أن يقاسموهم على أملاكهم التي بباب حلب. فأرسل أهل البلد إلى بغداد يستغيثون، ويطلبون النجدة، فلم يغاثوا، وكان الأمير إيلغازي، صاحب حلب، ببلد ماردين يجمع العساكر والمتطوعة للغزاة، فاجتمع عليه نحو عشرين ألفاً، وكان معه أسامة بن المبارك بن شبل الكلابي، والأمير طغان أرسلان بن المكر، صاحب بدليس وأرزن، وسار بهم إلى الشام، عازماً على قتال الفرنج، فلما علم الفرنج قوة عزمهم على لقائهم، وكانوا ثلاثة آلاف فارس، وتسعة آلاف راجل، ساروا فنزلوا قريباً من الأثارب، بموضع يقال له تل عفرين، بين جبال ليس لها طريق إلا من ثلاث جهات، وفي هذا الموضع قتل شرف الدولة مسلم بن قريش وظن الفرنج أن أحداً لا يسلك إليهم لضيق الطريق، فأخلدوا إلى المطاولة، وكانت عادة لهم، إذا رأوا قوة من المسلمين، وراسلوا إيلغازي يقولون له: لا تتعب نفسك بالمسير إلينا، فنحن واصلون إليك، فأعلم أصحابه بما قالوه، واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا بالركوب من وقته، وقصدهم، ففعل ذلك، وسار إليهم، ودخل الناس من الطرق الثلاثة، ولم تعتقد الفرنج أن أحداً يقدم عليهم، لصعوبة المسلك إليهم، فلم يشعروا إلا وأوائل المسلمين قد غشيتهم، فحمل الفرنج حملة منكرة، فولوا منهزمين، فلقوا باقي العسكر متتابعة، فعادوا معهم، وجرى بينهم حرب شديدة، وأحاطوا بالفرنج من جميع جهاتهم، وأخذهم السيف من سائر نواحيهم، فلم يفلت منهم غير نفر يسير، وقتل الجميع، وأسروا، وكان من جملة الأسرى نيف وسبعون فارساً من مقدميهم، وحملوا إلى حلب، فبذلوا في نفوسهم ثلاثمائة ألف دينار، فلم يقبل منهم، وغنم المسلمون منهم الغنائم الكثيرة، وأما سيرجال، صاحب أنطاكية، فإنه قتل وحمل رأسه، وكانت الوقعة منتصف شهر ربيع الأول، ثم تجمع من سلم من المعركة مع غيرهم، فلقيهم إيلغازي أيضاً، فهزمهم، وفتح منهم حصن الأثارب، وزردنا، وعاد إلى حلب، وقرر أمرها، وأصلح حالها، ثم عبر الفرات إلى ماردين، ويعرف السهل الذي تمت فيه المعركة بسهل بلاط وهو اليوم عرف بسهل الحلقة أما الصليبيون فيسمونه ساحة الدم لكثرة ما أريق من الدماء فيه.

معركة بين الصليبيين والعرب.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

معركة بين الصليبيين والعرب.
513 ربيع الأول - 1119 م
سار جوسلين، صاحب تل باشر، في جمع من الفرنج، نحو مائتي فارس، من طبرية، فكبس طائفة من طي يعرفون ببني خالد، فأخذهم، وأخذ غنائمهم، وسألهم عن بقية قومهم من بني ربيعة، فأخبروه أنهم من وراء الحزن، بوادي السلالة، بين دمشق وطبرية، فقدم جوسلين مائة وخمسين فارساً من أصحابه، وسار هو في خمسين فارساً على طريق آخر، وواعدهم الصبح ليكبسوا بني ربيعة، فوصلهم الخبر بذلك، فأرادوا الرحيل، فمنعهم أميرهم من بني ربيعة، وكانوا في مائة وخمسين فارساً، فوصلهم المائة وخمسون من الفرنج، معتقدين أن جوسلين قد سبقهم أو سيدركهم، فضل الطريق، وتساوت العدتان، فاقتتلوا، وطعنت العرب خيولهم، فجعلوا أكثرهم رجالة، وظهر من أميرهم شجاعة، وحسن تدبير، وجودة رأي، فقتل من الفرنج سبعون، وأسر اثنا عشر من مقدميهم، بذل كل واحد منهم في فداء نفسه مالاً جزيلاً وعدة من الأسرى، وأما جوسلين فإنه ضل في الطريق، وبلغه خبر الوقعة، فسار إلى طرابلس، فجمع جمعاً، وأسرى إلى عسقلان، فأغار على بلدها، فهزمه المسلمون هناك، فعاد مفلولاً.

المسلمون يأسرون ملك إمارة الرها الصليبية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المسلمون يأسرون ملك إمارة الرها الصليبية.
516 جمادى الآخرة - 1122 م
في خلال الحملة الصليبية الأولى قام أحد الجيوش الصليبية بقيادة بلدوين بالانعطاف شرقا أثناء حصار أنطاكية إلى الرها التي سرعان ما سقطت في يده مؤسسا أول إمارة صليبية في الشرق الأوسط في (ربيع الأول سنة 491 هـ = فبراير 1098 م) وفي تلك الأثناء استولى بوهمند أحد القادة الصليبين على أنطاكية وأسس فيها الإمارة الثانية ثم استولى ريموند على طرابلس وأسس فيها الإمارة الثالثة وكانت الثلاث إمارات تابعين بشكل صوري لمملكة بيت المقدس ولم يكد يمر عامان على تأسيسس الإمارة حتى غادرها بلدوين إلى بيت المقدس لكي يصبح ملكا عليها فتولى حكمها بلدوين دي بورغ حتى سنة 512 هـ /1118 م ثم تبعه جوسلين الأول فجوسلين الثاني حتى سنة 539 هـ/1144م تاريخ سقوط المدينة في يد عماد الدين زنكي أمير الموصل وكانت إمارة الرها واحدة من أهم الإمارات الصليبية في المشرق، وذلك لقوة تحصينها، وقربها من العراق التي تمثل مركز الخلافة الإسلامية، ونظرًا لما تسببه من تهديدات وأخطار للمناطق الإسلامية المجاورة لها. وبدأ أمير الموصل عماد الدين زنكي الجهاد ضد الصليبين فتوجه ناحية مدينة الرها لكي يحاصرها وبعد (28) يومًا من الحصار انهارت بعض أجزاء الحصن، ثم ما لبثت القلعة أن استسلمت لقوات عماد الدين في 28 من جمادى الآخرة 539هـ = 27 من نوفمبر 1144م.

سقوط صور بيد الصليبيين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

سقوط صور بيد الصليبيين.
518 جمادى الأولى - 1124 م
كانت مدينة صور للخلفاء العلويين بمصر، ولم تزل كذلك إلى سنة ست وخمسمائة، وكان الفرنج قد حصروها، وضيقوا عليها، ونهبوا بلدها غير مرة، فتجهز ملك الفرنج، وجمع عساكره ليسير إلى صور، فخافهم أهل صور، فأرسلوا إلى أتابك طغتكين، صاحب دمشق، يطلبون منه أن يرسل إليهم أميراً من عنده يتولاهم ويحميهم، ويكون البلد له، وقالوا له: إن أرسلت إلينا والياً، وعسكراً، وإلا سلمنا البلد إلى الفرنج، فسير إليهم عسكراً، وجعل عندهم والياً اسمه مسعود، وكان شهماً، شجاعاً، عارفاً بالحرب ومكايدها، وأمده بعسكر، وسير إليهم ميرة ومالاً فرقه فيهم وطابت نفوس أهل البلد، ولم تغير الخطبة للآمر، صاحب مصر، ولا السكة، وكتب إلى الأفضل بمصر يعرفه صورة الحال، ويقول: متى وصل إليها من مصر من يتولاها، ويذب عنها، سلمتها إليه، ويطلب أن الأسطول لا ينقطع عنها بالرجال والقوة. فشكره الأفضل على ذلك، وأثنى عليه، وصوب رأيه فيما فعله، وجهز أسطولاً، وسيره إلى صور، فاستقامت أحوال أهلها. ولم يزل كذلك إلى سنة ست عشرة وخمسمائة، بعد قتل الأفضل، فسُير إليها أسطول، على جاري العادة، وأمروا المقدم على الأسطول أن يعمل الحيلة على الأمير مسعود الوالي بصور من قبل طغتكين، ويقبض عليه، ويتسلم البلد منه. وكان السبب في ذلك: أن أهل صور أكثروا الشكوى منه إلى الآمر بأحكام الله، صاحب مصر، بما يعتمده من مخالفتهم، والإضرار بهم، ففعلوا ذلك، وسار الأسطول فأرسى عند صور، فخرج مسعود إليه للسلام على المقدم عليه، فلما صعد إلى المركب الذي فيه المقدم اعتقله، ونزل البلد، واستولى عليه، وعاد الأسطول إلى مصر، وفيه الأمير مسعود، فأكرم وأحسن إليه، وأعيد إلى دمشق، وأما الوالي من قبل المصريين فإنه طيب قلوب الناس، وراسل طغتكين يخدمه بالدعاء والاعتضاد، وأن سبب ما فعل هو شكوى أهل صور من مسعود، فأحسن طغتكين الجواب، وبذل من نفسه المساعدة، ولما سمع الفرنج بانصراف مسعود عن صور قوي طمعهم فيها، وحدثوا نفوسهم بملكها، وشرعوا في الجمع والتأهب للنزول عليها وحصرها، فسمع الوالي بالخبر، فعلم أنه لا قوة له، ولا طاقة على دفع الفرنج عنها، لقلة من بها من الجند والميرة، فأرسل إلى الآمر بذلك، فرأى أن يرد ولاية صور إلى طغتكين، صاحب دمشق، فأرسل إليه بذلك، فملك صور، ورتب بها من الجند وغيرهم ما ظن فيه كفاية، وسار الفرنج إليهم ونازلوهم في ربيع الأول من هذه السنة، وضيقوا عليهم، ولازموا القتال، فقلت الأقوات، وسئم من بها القتال، وضعفت نفوسهم وسار طغتكين إلى بانياس ليقرب منهم، ويذب عن البلد، ولعل الفرنج إذا رأوا قربه منهم رحلوا، فلم يتحركوا، ولزموا الحصار، فأرسل طغتكين إلى مصر يستنجدهم، فلم ينجدوه، وتمادت الأيام، وأشرف أهلها على الهلاك، فراسل حينئذ طغتكين، صاحب دمشق، وقرر الأمر على أن يسلم المدينة إليهم، ويمكنوا من بها من الجند والرعية من الخروج منها بما يقدرون عليه من أموالهم ورحالهم وغيرها، فاستقرت القاعدة على ذلك، وفتحت أبواب البلد، وملكه الفرنج، وفارقه أهله، وتفرقوا في البلاد، وحملوا ما أطاقوا، وتركوا ما عجزوا عنه، ولم يعرض الفرنج لأحد منهم، ولم يبق إلا الضعيف عجز عن الحركة، وملك الفرنج البلد في الثالث والعشرين من جمادى الأولى، وكان فتحه وهناً عظيماً على المسلمين، فإنه من أحصن البلاد وأمنعها.

مصرع ملك إمارة أنطاكيا الصليبي في معركة عين زربة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مصرع ملك إمارة أنطاكيا الصليبي في معركة عين زربة.
524 - 1129 م
طمع كل من بوهمند الثاني أمير أنطاكية وإيلغازي بن دانشمند في الاستيلاء على الإمارة الأرمنية في كليكيا بعد وفاة الأمير الأرمني طوروس الأول ثم وفاة ابنه قسطنطين مسموما بعده، فنشب القتال بينهما في سهل عين زربة وقتل فيه بوهمند الثاني، فورثت ابنته كونستانس وكانت قاصرة فقام جدها بودوان الثاني بالوصاية عليها حتى تكبر، ولم يكن له هو ولد فبعث إلى لويس السادس ملك فرنسا وطلب منه اختيار أمير معروف بالشجاعة يكون خلفا له، فرشح له الأمير فولك الخامس أمير أنجو الذي تزوج ابنة بودوان الثاني فأصبح بذلك الوريث الشرعي لمملكة بيت المقدس وتملك كذلك مدينتي صور وعكا.

اتفاقية القسطنطينيين بين الإمبراطور البيزنطي والصليبيين لحرب عماد الدين زنكي والاستيلاء على الشام.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اتفاقية القسطنطينيين بين الإمبراطور البيزنطي والصليبيين لحرب عماد الدين زنكي والاستيلاء على الشام.
532 - 1137 م
ذكرنا سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة خروج ملك الروم من بلاده واشتغاله بالفرنج وابن ليون، فلما دخلت هذه السنة وصلت إلى الشام وخافه الناس خوفاً عظيماً، وقصد بزاعة فحصرها، وهي مدينة قريبة من حلب، فمضى جماعة من أعيان حلب إلى أتابك زنكي وهو يحاصر حمص، فاستغاثوا به واستنصروه، فسير معهم كثيراً من العساكر، فدخلوا إلى حلب ليمنعوها من الروم إن حصروها، ثم إن ملك الروم قاتل بزاعة، ونصب عليها منجنيقات، وضيق على من بها فملكها بالأمان في الخامس والعشرين من رجب، ثم غدر بأهلها فقتل منهم وأسر وسبى. وكان عدة من جرح فيها من أهلها خمسة آلاف وثمانمائة نفس، وتنصر قاضيها وجماعة من أعيانها نحو أربع مائة نفس، وأقام الروم بعد ملكها عشرة أيام يتطلبون من اختفى، فقيل لهم: إن جمعاً كثيراً من أهل هذه الناحية قد نزلوا إلى المغارات، فدخنوا عليهم، وهلكوا في المغاور ثم رحلوا إلى حلب فنزلوا على قويق (نهر بحلب) ومعهم الفرنج الذين بساحل الشام، وزحفوا إلى حلب من الغد في خيلهم ورجلهم، فخرج إليهم أحداث حلب، فقاتلوهم قتالاً شديداً، فقتل من الروم وجرح خلق كثير، وقتل بطريق جليل القدر عندهم، وعادوا خاسرين، وأقاموا ثلاثة أيام فلم يروا فيها طمعاً، فرحلوا إلى قلعة الأثارب، فخاف من فيها من المسلمين، فهربوا عنها تاسع شعبان فملكها الروم وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى ومعهم جمع من الروم يحفظونهم ويحمون القلعة وساروا، فلما سمع الأمير أسوار بحلب ذلك رحل فيمن عنده من العسكر إلى الأثارب، فأوقع بمن فيها من الروم، فقتلهم، وخلص السبي والأسرى وعاد إلى حلب، وأما عماد الدين زنكي فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية فنازلها، وعبر ثقله الفرات إلى الرقة، وأقام جريدة ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة، وأما الروم فإنهم قصدوا قلعة شيزر، فإنها من أمنع الحصون، وإنما قصدوها لأنها لم تكن لزنكي، فلا يكون له في حفظها الاهتمام العظيم، وإنما كانت للأمير أبي العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، فنازلوها وحصروها، ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقاً، فأرسل صاحبها إلى زنكي يستنجده، فسار إليه فنزل على نهر العاصي بالقرب منها، بينها وبين حماة، ثم إنه أرسل إلى ملك الروم يقول له: إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال، فانزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقي، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم، وإن ظفرتم استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها. ولم يكن له بهم قوة وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه، فأشار فرنج الشام على ملك الروم بمصافته، وهونوا أمره عليه، فلم يفعل، وكان زنكي يرسل أيضاً إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه، فلو فارق مكانه لتخلوا عنه، ويرسل إلى فرنج الشام يخوفهم من ملك الروم ويقول لهم: إن ملكا بالشام حصناً واحداً ملك بلادكم جميعاً؛ فاستشعر كل من صاحبه، فرحل ملك الروم عنها في رمضان، وكان مقامه عليها أربعة وعشرين يوماً، وترك المجانيق وآلات الحصار بحالها، فسار أتابك زنكي يتبع ساقة العسكر، فظفر بكثير ممن تخلف منهم، وأخذ جميع ما تركوه.

عماد الدين زنكي يحرز نصرا كبيرا على الصليبيين ويحرر إمارة الرها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عماد الدين زنكي يحرز نصرا كبيرا على الصليبيين ويحرر إمارة الرها.
539 جمادى الآخرة - 1144 م
سادس جمادى الأخرة، فتح أتابك عماد الدين زنكي بن آقسنقر مدينة الرها من الفرنج، وفتح غيرها من حصونهم بالجزيرة أيضاً، وكان ضررهم قد عم بلاد الجزيرة وشرهم قد استطار فيها، ووصلت غاراتهم إلى أدانيها وأقاصيها، وبلغت آمد ونصيبين ورأس عين والرقة، وكانت مملكتهم بهذه الديار من قريب ماردين إلى الفرات مثل الرها، وسروج، والبيرة، وسن ابن عطير، وحملين، والموزر والقرادي وغير ذلك. وكانت هذه الأعمال مع غيرها مما هو غرب الفرات لجوسلين، وكان صاحب رأي الفرنج والمقدم على عساكرهم، لما هو عليه من الشجاعة والمكر، وكان أتابك يعلم أنه متى قصد حصرها اجتمع فيها من الفرنج من يمنعها، فيتعذر عليه ملكها لا هي عليه من الحصانة، فاشتغل بديار بكر ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ لقصد بلادهم. فلما رأوا أنه غير قادر على ترك الملوك الأرتقية وغيرهم من ملوك ديار بكر، حيث أنه محارب لهم، اطمأنوا، وفارق جوسلين الرها وعبر الفرات إلى بلاد الغربية، فجاءت عيون أتابك إليه فأخبرته فنادى العسكر بالرحيل وأن لا يتخلف عن الرها أحد من غد يومه، وجمع الأمراء عنده، وقال: قدموا الطعام؛ وقال: لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا من يطعن غداً معي على باب الرها؛ فلم يتقدم إليه غير أمير واحد وصبي لا يعرف، لما يعلمون من إقدامه وشجاعته، وأن أحداً لا يقدر على مجاراته في الحرب، فقال الأمير لذلك الصبي: ما أنت في هذا المقام؟ فقال أتابك: دعه فوالله إني أرى وجهاً لا يتخلف عني وسار والعساكر معه، ووصل إلى الرها، وكان هو أول من حمل على الفرنج ومعه ذلك الصبي، وحمل فارس من خيالة الفرنج على أتابك عرضاً، فاعترضه ذلك الأمير فطعنه فقتله، وسلم الشهيد، ونازل البلد، وقاتله ثمانية وعشرين يوماً، فزحف إليه عدة دفعات، وقدم النقابين فنقبوا سور البلد، ولج في قتاله خوفاً من اجتماع الفرنج والمسير إليه واستنقاذ البلد منه، فسقطت البدنة التي نقبها النقابون وأخذ البلد عنوة وقهراً، وحصر قلعته فملكها أيضاً، ونهب الناس الأموال وسبوا الذرية وقتلوا الرجال، فلما رأى أتابك البلد أعجبه، ورأى أن تخريب مثله لا يجوز في السياسة، فأمر فنودي في العساكر برد من أخذوه من الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم، وإعادة ما غنموه من أثاثهم وأمتعتهم، فردوا الجميع عن آخرهم لم يفقد منهم أحد إلا الشاذ النادر الذي أخذ وفارق من أخذه العسكر، فعاد البلد إلى حاله الأول، وجعل فيه عسكراً يحفظه، وتسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة فإنها حصينة منيعة وعلى شاطئ الفرات، فسار إليها وحاصرها، وكانوا قد أكثروا ميرتها ورجالها، فبقي على حصارها إلى أن رحل عنها.

اغتيال عماد الدين زنكي أمير الموصل ومحرر إمارة الرها من الصليبيين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اغتيال عماد الدين زنكي أمير الموصل ومحرر إمارة الرها من الصليبيين.
541 ربيع الثاني - 1146 م
قتل الملك عماد الدين زنكي بن أقسنقر قسيم الدولة التركي صاحب الموصل، وحلب وغيرها من البلاد الشامية والجزيرة لخمس مضين من ربيع الأخر وهو يحاصر قلعة جعبر، قتله جماعة من مماليكه غيلة، وهربوا إلى قلعة جعبر، فصاح من بها من أهلها إلى العسكر يعلمونهم بقتله، وأظهروا الفرح، كان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف؛ وكانت البلاد، قبل أن يملكها، خراباً من الظلم، وتنقل الولاة، ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت أهلاً وسكاناً، حصر مع الأمير مودود صاحب الموصل مدينة طبرية، وهي للفرنج، فوصلت طعنته باب البلد وأثر فيه، وحما أيضاً على قلعة عقر الحميدية، وهي على جبل عال، فوصلت طعنته إلى سورها، وقصد الموصل وحصرها، ثم إلى جانبه، من ناحية شهرزور وتلك الناحية، السلطان مسعود؛ ثم ابن سقمان صاحب خلاط؛ ثم داود بن سقمان صاحب حصن كيفا؛ ثم صاحب آمد وماردين؛ ثم الفرنج من مجاورة ماردين إلى دمشق؛ ثم أصحاب دمشق، فهذه الولايات قد أحاطت بولايته من كل جهاتها، فهو يقصد هذا مرة وهذا مرة، ويأخذ من هذا ويصنع هذا، إلى أن ملك من كل من يليه طرفاً من بلاده.

أخبار الحملة الصليبية الثانية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

أخبار الحملة الصليبية الثانية.
542 - 1147 م
تألفت الحملة الصليبية الثانية من ثلاث فرق، الفرقة الإنكليزية التي اتجهت من إنكلترا التي رست سفنها على سواحل البرتغال بسبب العواصف، فساهموا في مساعدة أميرالبرتغال ألفونسو الأول في قتال المسلمين في لشبونة والاستيلاء عليها ولم يواصل السير إلى الأراضي المقدسة منهم إلا القليل، والفرقتان الألمانية والفرنسية ساراتا برا فعبروا القسطنطينية ولم تكن على وفاق مع الإمبراطور البيزنطي، وتعرضت هاتان الفرقتان للكثير من الأخطار كقلة المؤن وانقضاض السلاجقة الروم عليهم.

حصر الفرنج دمشق (الحملة الصليبية الثانية).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

حصر الفرنج دمشق (الحملة الصليبية الثانية).
543 - 1148 م
سار ملك الألمان من بلاده في خلق كثير وجمع عظيم من الفرنج، عازماً على قصد بلاد الإسلام، وهو لا يشك في ملكها بأيسر قتال لكثرة جموعه، وتوفر أمواله وعدده، فلما وصل إلى الشام قصده من به من الفرنج وخدموه، وامتثلوا أمره ونهيه، فأمرهم بالمسير معهم إلى دمشق ليحصرها، فساروا معه ونازلوها وحصروها، وكان صاحبها مجير الدين أبق بن نوري بن طغدكين، وليس له من الأمر شيء، وإنما الحكم في البلد لمعين الدين أنز مملوك جده طغدكين، فجمع العساكر وحفظ البلد، وأقام الفرنج يحاصرونهم، ثم إنهم زحفوا سادس ربيع الأول بفارسهم وراجلهم، فخرج إليهم أهل البلد والعسكر فقاتلوهم، وصبروا لهم، وقاتلوا الفرنج حتى قتل معين الدين عند النيرب نحو نصف فرسخ عن دمشق وقوي الفرنج وضعف المسلمين، فتقدم ملك الألمان حتى نزل بالميدان الأخضر، فأيقن الناس بأنه يملك البلد. وكان معين الدين قد أرسل إلى سيف الدين غازي بن أتابك صاحب حلب يدعوه إلى نصرة المسلمين وكف العدو عنهم، فجمع عساكره وسار إلى الشام، واستصحب معه أخاه نور الدين محمود من حلب، فنزلوا بمدينة حمص، وأرسل إلى معين الدين يقول له: قد حضرت ومعي كل من يحمل السلاح من بلادي، فأريد أن يكون نوابي بمدينة دمشق لأحضر وألقى الفرنج، فإن انهزمت دخلت أنا وعسكري البلد، واحتمينا به، وإن ظفرت فالبلد لكم لا أنازعكم فيه، فأرسل إلى الفرنج يتهددهم إن لم يرحلوا عن البلد، فكف الفرنج عن القتال خوفاً من كثرة الجراح، وربما اضطروا إلى قتال سيف الدين، فأبقوا على نفوسهم، فقوي أهل البلد على حفظه، واستراحوا من لزوم الحرب، وأرسل معين الدين إلى الفرنج الغرباء: إن ملك المشرق قد حضر، فإن رحلتم، وإلا سلمت البلد إليه، وحينئذ تندمون؛ وأرسل إلى فرنج الشام يقول لهم: بأي عقل تساعدون هؤلاء علينا، وأنتم تعلمون أنهم إن ملكوا دمشق أخذوا ما بأيديكم من البلاد الساحلية، وأما أنا فإن رأيت الضعف عن حفظ البلد سلمته إلى سيف الدين، وأنتم تعلمون أنه إن ملك دمشق لا يبقى لكم معه مقام في الشام؛ فأجابوه إلى التخلي عن ملك الألمان، وبذل لهم تسليم حصن بانياس إليهم، واجتمع الساحلية بملك الألمان، وخوفوه من سيف الدين وكثرة عساكره وتتابع الأمداد إليه، وأنه ربما أخذ دمشق وتضعف عن مقاومته؛ ولم يزالوا به حتى رحل عن البلد، وتسلموا قلعة بانياس، وعاد الفرنج الألمانية إلى بلادهم وهي من وراء القسطنطينية، وكفى الله المؤمنين شرهم.

نور الدين زنكي يحارب الصليبيين ويحقق كثيرا من الانتصارات عليهم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

نور الدين زنكي يحارب الصليبيين ويحقق كثيرا من الانتصارات عليهم.
544 - 1149 م
غزا نور الدين محمود بن زنكي بلاد الفرنج من ناحية أنطاكية، وقصد حصن حارم، وهو للفرنج، فحصره وخرب ربضه، ونهب سواده، ثم رحل إلى حصن أنب فحصره أيضاً، فاجتمع الفرنج مع البرنس صاحب أنطاكية وحارم وتلك الأعمال، وساروا إلى نور الين ليرحلوه عن إنب، فلقيهم واقتتلوا قتالاً عظيماً، وباشر نور الدين القتال ذلك اليوم، فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتل منهم جمع كثير، وأسر مثلهم، وكان ممن قتل الأمير ريمون بواتيه صاحب أنطاكية، وكان عاتياً من عتاة الفرنج وعظيماً من عظمائهم، ولما قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند، وهو طفل، فتزوجت أمه بأمير آخر ليدبر البلد إلى أن يكبر ابنها، وأقام معها بأنطاكية. ثم إن نور الدين غزاهم غزوة أخرى، فاجتمعوا ولقوه، فهزمهم وقتل فيهم وأسر، وكان فيمن أسر البرنس الثاني زوج أم بيمند، فتمكن حينئذ بيمند بأنطاكية؛ وأكثر الشعراء بمديح نور الدين وتهنئته بهذا الظفر، فإن قتل البرنس كان عظيماً عند الطائفتين

الصليبيون يستولون على عسقلان من العبيديين (الفاطميين) بمصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الصليبيون يستولون على عسقلان من العبيديين (الفاطميين) بمصر.
548 - 1153 م
ملك الفرنج بالشام مدينة عسقلان، وكانت من جملة مملكة الظافر بالله الفاطمي المصري، وكان الفرنج كل سنة يقصدونها ويحصرونها، فلا يجدون إلى ملكها سبيلاً، وكان الوزراء بمصر لهم الحكم في البلاد، والخلفاء معهم اسم لا معنى تحته، وكان الوزراء كل سنة يرسلون إليها الذخائر والأسلحة والأموال والرجال من يقوم بحفظها، فلما كان في هذه السنة قتل ابن السلار الوزير، واختلفت الأهواء في مصر، وولي عباس الوزارة، إلى أن استقرت قاعدة، فاغتنم الفرنج اشتغالهم عن عسقلان، فاجتمعوا وحصروها، فصبر أهلها، وقاتلوهم قتالاً شديداً، حتى إنهم بعض الأيام قاتلوا خارج السور، وردوا الفرنج إلى خيامهم مقهورين، وتبعهم أهل البلد إليها فأيس حينئذ الفرنج من ملكه، فبينما هم على عزم الرحيل إذ أتاهم الخبر أن الخلف قد وقع بين أهله، وقتل بينهم قتلى، فصبروا؛ وكان سبب هذا الاختلاف أنهم لما عادوا عن قتال الفرنج قاهرين منصورين، ادعت كل طائفة منهم أن النصرة من جهتهم كانت، وأنهم هم الذين ردوا الفرنج خاسرين، فعظم الخصام بينهم إلى أن قتل من إحدى الطائفتين قتيل، واشتد الخطب حينئذ، وتفاقم الشر، ووقعت الحرب بينهم، فقتل بينهم قتلى، فطمع الفرنج، وزحفوا إليه وقاتلوهم عليه، فلم يجدوا من يمنعهم فملكوه.

نور الدين زنكي يستولي على مدينة دمشق فيستنجد أبق بن محمد بن بوري بالصليبيين وانتهاء الدولة البورية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

نور الدين زنكي يستولي على مدينة دمشق فيستنجد أبق بن محمد بن بوري بالصليبيين وانتهاء الدولة البورية.
549 صفر - 1154 م
تملك نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر مدينة دمشق، وأخذها من صاحبها مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغدكين أتابك وكان سبب جده في ملكها أن الفرنج لما ملكوا في العام الماضي مدينة عسقلان لم يكن لنور الدين طريق إلى إزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان، فلما ملك الفرنج عسقلان طمعوا في دمشق، حتى أنهم استعرضوا كل من بها من مملوك وجارية من النصارى، فمن أراد المقام بها تركوه، ومن أراد العود إلى وطنه أخذوه قهراً شاء صاحبه أم أبى، وكان لهم على أهلها كل سنة قطيعة يأخذونها منهم، فكان رسلهم يدخلون البلد ويأخذونها منهم، فلما رأى نور الدين ذلك خاف أن يملكها الفرنج فلا يبقى حينئذ بالشام مقام، فأعمل الحيلة في أخذها حيث علم أنها لا تملك قوة، لأن صاحبها متى رأى غلبه راسل الفرنج واستعان بهم فأعانوه لئلا يملكها من يقوى على قتالهم؛ فراسل مجير الدين صاحبها واستماله، وواصله بالهدايا، وأظهر له المودة حتى وثق به، فلما لم يبق عنده من الأمراء أحد قدم أميراً يقال له عطا بن حفاظ السلمي الخادم، وكان شهماً شجاعاً، وفوض إليه أمر دولته، فكان نور الدين لا يتمكن معه من أخذ دمشق، فقبض عليه مجير الدين وقتله، فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق، وكان قد كاتب من بها من الأحداث واستمالهم، فوعدوه بالتسليم إليه، فلما حصر نور الدين البلد أرسل مجير الدين إلى الفرنج يبذل لهم الأموال وتسليم قلعة بعلبك إليهم لينجدوه وليرحلوا نور الدين عنه، فشرعوا في جمع فارسهم وراجلهم ليرحلوا نور الدين عن البلد، فإلى أن اجتمع لهم ما يريدون تسلم نور الدين البلد، فعادوا بخفي حنين، وأما كيفية تسليم دمشق فإنه لما حصرها ثار الأحداث الذين راسلهم، فسلموا إليه البلد من الباب الشرقي وملكه، وحصر مجير الدين في القلعة، وراسله في تسليمها وبذل له أقطاعاً من جملته مدينة حمص، فسلمها إليه وسار إلى حمص، ثم إنه راسل أهل دمشق ليسلموا إليه، فعلم نور الدين ذلك فخافه، فأخذ منه حمص، وأعطاه عوضاً عنها بالس، فلم يرضها، وسار منها إلى العراق، وأقام ببغداد وابتنى بها داراً بالقرب من النظامية، وتوفي بها.

حلف جديد بين إمبراطور بيزنطة وملك القدس الصليبي ضد نور الدين الزنكي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

حلف جديد بين إمبراطور بيزنطة وملك القدس الصليبي ضد نور الدين الزنكي.
552 - 1157 م
تحالف بودان الثالث ملك بيت المقدس مع الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنين وزوجه ابنته تيودورا.

نور الدين زنكي يهزم الصليبيين في موقعة أرتاح وفتحه قلعة تل حارم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

نور الدين زنكي يهزم الصليبيين في موقعة أرتاح وفتحه قلعة تل حارم.
559 رمضان - 1164 م
فتح نور الدين محمود زنكي قلعة حارم من الفرنج؛ وسبب ذلك أن نور الدين لما عاد منهزماً من البقيعة، تحت حصن الأكراد، من قبل، واتفق مسير بعض الفرنج مع ملكهم في مصر، فأراد أن يقصد بلادهم ليعودوا عن مصر، فأرسل إلى أخيه قطب الدين مودود، صاحب الموصل وديار الجزيرة، وإلى فخر الدين قرا أرسلان، صاحب حصن كيفا، وإلى نجم الدين ألبي، صاحب ماردين، وغيرهم من أصحاب الأطراف يستنجدهم؛ فأما قطب الدين فإنه جمع عسكره وسار مجداً، وفي مقدمته زين الدين علي أمير جيشه؛ وأما نجم الدين فإنه سير عسكراً، فلما اجتمعت العساكر سار نحو حارم فحصرها ونصب عليها المجانيق وتابع الزحف إليها، فاجتمع من بقي بالساحل من الفرنج، فجاؤوا في حدهم وحديدهم، وملوكهم وفرسانهم، وقسيسهم ورهبانهم، وأقبلوا إليه من كل حدب ينسلون، وكان المقدم عليهم البرنس بيمند، صاحب أنطاكية، وقمص، صاحب طرابلس وأعمالها، وابن جوسلين، وهو من مشاهير الفرنج، والدوك، وهو مقدم كبير من الروم، وجمعوا الفارس والراجل، فلما قاربوه رحل عن حارم إلى أرتاح طمعاً أن يتبعوه فيتمكن منهم لبعدهم عن بلادهم إذا لقوه، فساروا، فنزلوا على غمر ثم علموا عجزهم عن لقائه، فعادوا إلى حارم، فلما عادوا تبعهم نور الدين في أبطال المسلمين على تعبئة الحرب. فلما تقاربوا اصطفوا للقتال، فبدأ الفرنج بالحملة على ميمنة المسلمين، وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن، فانهزم المسلمون فيها، وتبعهم الفرنج، فقيل كانت تلك الهزيمة من الميمنة على اتفاق ورأي دبروه، فكان الأمر على ما دبروه: فإن الفرنج لما تبعوا المنهزمين عطف زين الدين علي في عسكر الموصل على راجل الفرنج فأفناهم قتلاً وأسراً، وعاد خيالتهم، ولم يمعنوا في الطلب خوفاً على راجلهم، فعاد المنهزمون في آثارهم، فلما وصل الفرنج رأوا رجالهم قتلى وأسرى، فسقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد هلكوا وبقوا في الوسط قد أحدق بهم المسلمون من كل جانب، فاشتدت الحرب، وقامت على ساق، وكثر القتل في الفرنج، وتمت عليهم الهزيمة، فعدل حينئذ المسلمون من القتل إلى الأسر، فأسروا ما لا يحد، وفي جملة الأسرى صاحب أنطاكية والقمص، صاحب طرابلس، وكان شيطان الفرنج، وأشدهم شكيمة على المسلمين، والدوك مقدم الروم، وابن جوسلين، وكانت عدة القتلى تزيد على عشرة آلاف قتيل.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت