نتائج البحث عن (المَهْدي) 50 نتيجة

(الْمهْدي) الْإِنَاء يهدى فِيهِ
عَسْكَرُ المهديّ:
وهو محمد بن المنصور أمير المؤمنين:
وهي المحلة المعروفة اليوم ببغداد بالرّصافة من محال الجانب الشرقي، وقد ذكرت، وقال ابن الفقيه:
وبنى المنصور الرصافة في الجانب الشرقي للمهدي، وكانت الرصافة تعرف بعسكر المهدي لأنه عسكر بها حين شخص إلى الرّي، فلما قدم من الرّي نزل الرصافة، وذلك في سنة 151، وقال ابن طاهر:
أبو بكر محمد بن عبد الله يعرف بقاضي العسكر وهو عسكر المهدي كان يتولى القضاء فيه، هذا أحد أصحاب الرأي، وهو ممن اشتهر بالاعتزال وكان يعدّ في عقلاء الرجال.
المَهْدِيّةُ:
بالفتح ثم السكون، في موضعين: إحداهما بإفريقية والأخرى اختطها عبد المؤمن بن عليّ قرب سلا، فأما المهديّ ففي اشتقاقه عندي أربعة أوجه:
أحدها أن يكون من المهدي، بفتح ميمه، ويعني أنه هو مهتد في نفسه لا أنه هداه غيره ولو كان ذلك لكان المهدي، بضم الميم، كقولك المرميّ والمكريّ والملقيّ، ولو كان يفعل ذلك بغيره لضمّت الميم، وليس الضم والفتح للتعدية وغير التعدية، فإن الأصمعي يقول: هداه يهديه في الدين هدى وهداه يهديه هداية إذا دلّه على الطريق، وهديت العروس فأنا أهديها هداء، وأهديت الهديّة إهداء وأهديت الهدي، هذان الأخيران بالألف والأول كما تراه ثلاثيّا متعدّيا فلا يفتقر إلى زيادة ألف التعدية فهو بمنزلة اسم الزمان والمكان وإن كان اسم رجل لأنك إذا قلت مضرب أو مشرب إنما المراد موضع
الضرب والشرب ومحلهما، فكذلك هذا المسمّى المراد أنه موضع الهدي ومحلّه، ويجوز أن يكون المهديّ منسوبا إلى اسم مكان الهدي كما أن مضربيّ منسوب إلى اسم مكان الضرب، والقياس هدى يهدي والمكان مهديّ بتصحيح الياء كما أن قاض أصله قاضي بتصحيح الياء مثل مضرب سواء ولكنهم استثقلوا الخروج من الكسر إلى الضم كما استثقلوا في القاضي والغازي فعدلوا إلى الأخفّ فقالوا مهدى كما قالوا مغزى فصار مقصورا لا يحتمل ما تحتمله الياء من التحريك في النصب فلزم طريقة واحدة وأعيدت الياء في القاضي إلى أصلها لما أمن الثقل عليها، فإن قيل فهلّا فرّوا في القاضي والغازي إلى القصر وألزموه طريقة واحدة؟ قلنا إنما فرّوا من الثقل، ولو قالوا قاضا لصار بعد الضاد ألف وقبلها ألف وصار في زنة الفعل من قاضيت ففرّوا إلى الأخفّ، لكنهم لما نسبوا إليهما ردّوهما إلى الأصل الواحد في رأيي فقالوا قاضيّ ومهديّ، فكسروا الدال التي في مهدي وشدّدوا ياء النسبة وإن كان الأشهر الأكثر قاضويّ ومهدويّ ومغزويّ إلا أن ذلك هو الأولى على أصلنا، فهذا هو وجه حسن في تعليل من قال قاضيّ ومغزيّ لا مطعن للمنصف فيه، والوجه الثاني وهو الذي يراه النحويون في هذا أن المهديّ هو اسم المفعول من هدى يهدي فهو مهديّ مثل ضرب يضرب فهو مضروب فعلى هذا أصله مهدوي، بفتح أوله وسكون ثانيه وضم الدال وسكون واوه وتصحيح يائه، بوزن مضروب، فاستثقلوا الخروج من الواو الساكنة إلى الياء فأدغموا الواو في الياء فصارت ياء مشددة فكسرت لها الدال فصار مهديّ مثل مرميّ ومشويّ ومقليّ، والوجه الثالث أن يكون منسوبا إلى المهد تشبيها له بعيسى، عليه السلام، فإنه تكلم في المهد فضيلة اختصّ بها وإنه يأتي في آخر الزمان فيهدي الناس من الضلالة ويردهم إلى الصواب، وهذه المدينة بإفريقية منسوبة إلى المهدي، وبينها وبين القيروان مرحلتان، القيروان في جنوبيها، والثياب السوسية المهدويّة إليها تنسب، وقد اختطها المهدي، واختلف في نسبه فأكثر أهل السير الذين لم يدخلوا في رعيتهم وبعض رعيتهم الذين كانوا يخفون أمرهم يزعمون أنه كان ابن يهوديّ من أهل سلمية الشام وتزوّج القدّاح الذي كان أصل هذه الدعوة بأمه فربّاه إلى أن حضرته الوفاة ولم يكن له ولد فعهد إليه وعلّمه الدعوة وكان اسمه سعيدا فلما صار الأمر إليه سمي عبيد الله، وقال قوم قليلون: إنه ولد القداح نفسه، في قصص طويلة، وقال من صحّح نسبه: إنه أحمد بن إسماعيل الثاني ابن محمد بن إسماعيل الأكبر بن جعفر بن محمد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، قدم إفريقية، فملكها وأقام بالقيروان مدّة ثم خطّ المهدية، وهي على ساحل بحر الروم داخلة فيه ككفّ على زند، عليها سور عال محكم كأعظم ما يكون يمشي عليه فارسان، عليها باب من حديد مصمت مصراع واحد تأنّق المهديّ في عمله، وقال بعض أهل المعرفة بأخبارهم:
في سنة 300 خرج المهدي بنفسه إلى تونس يرتاد لنفسه موضعا يبني فيه مدينة خوفا من خارج يخرج عليه، وأراد موضعا حصينا حتى ظفر بموضع المهدية وهي جزيرة متصلة بالبرّ كهيئة كف متصلة بزند، فتأمّلها فوجد فيها راهبا في مغارة فقال له: بم يعرف هذا الموضع؟ فقال: هذا يسمّى جزيرة الخلفاء، فأعجبه هذا الاسم فبناها وجعلها دار مملكته وحصّنها بالسور المحكم والأبواب الحديد المصمت وجعل في كل مصراع من الأبواب مائة قنطار، ولها بابان بأربعة مصاريع لكل باب منها دهليز يسع خمسمائة فارس،
وكان شروعه في اختطاطها لخمس خلون من ذي القعدة سنة 303، وقال أبو عبيد البكري: كان شروعه فيها سنة 300 وكمّل سورها في سنة خمس وانتقل إليها سنة ثمان في شوال، ولم تزل دار مملكة لهم إلى أن ولي الأمر إسماعيل بن أبي القاسم سنة 44 فسار إلى القيروان محاربا لأبي يزيد واتخذ مدينة صبرة واستوطنها بعد أبيه معدّ وعمل فيها مصانع واحتفر أبآرا وبنى فيها قصورا عالية، قال بطليموس: مدينة برقة وهي المهدية طولها اثنتان وثلاثون درجة، وعرضها ست وثلاثون درجة، داخلة في الإقليم الرابع، طالعها العقرب تحت اثنتي عشرة درجة، منزلها من قلب العقرب الجناح الأيمن ولها ممسك العنان ولها جبهة الليث تحت اثنتي عشرة درجة من السرطان، يقابلها مثلها اثنتا عشرة درجة من الجدي، وقال أبو عبيد البكري: جعل لمدينتها بابا حديد لا خشب فيهما كل باب وزنه ألف قنطار وطوله ثلاثون شبرا كل مسمار من مساميره ستة أرطال وجعل فيها من الصهاريج العظام، وأهل تلك النواحي يسمّونها مواجل، ثلاثمائة وستين موجلا غير ما يجري إليها من القناة التي فيها، والماء الجاري الذي بالمهدية جلبه عبيد الله من قرية ميّانش وهي على مقربة من المهدية في أول أقداس ويصبّ في المهدية في صهريج داخل المدينة عند جامعها ويرفع من الصهريج إلى القصر بالدواليب وكذلك يسقي أيضا من قرية ميّانش من الآبار بالدواليب يصبّ في محبس يجري منه في تلك القناة، قال: ومرسى المهدية منقور في حجر صلد يسع ثلاثين مركبا، على طرفي المرسى برجان بينهما سلسلة حديد فإذا أريد إدخال سفينة أرسل حرّاس البرجين أحد طرفي السلسلة حتى تدخل السفينة ثم يمدّونها كما كانت تحبيسا لها، ولما فرغ من إحكام ذلك قال: اليوم أمنت على الفاطميّات، يعني بناته، وارتحل إليها وأقام بها ثم عمّر فيها الدكاكين ورتب فيها أرباب المهن كلّ طائفة في سوق فنقلوا إليها أموالهم فلما استقام ذلك أمر بعمارة مدينة أخرى إلى جانب المهدية وجعل بين المدينتين قدر طول ميدان وأفردها بسور وأبواب وحفظة وسماها زويلة وأسكن أرباب الدكاكين من البزّازين وغيرهم فيها بحرمهم وأهاليهم وقال: إنما فعلت ذلك لآمن غائلتهم وذاك أن أموالهم عندي وأهاليهم هناك، فإن أرادوني بكيد وهم بزويلة كانت أموالهم عندي فلا يمكنهم ذلك، وإن أرادوني بكيد وهم بالمهدية خافوا على حرمهم هناك، وبنيت بيني وبينهم سورا وأبوابا فأنا آمن منهم ليلا ونهارا لأني أفرّق بينهم وبين أموالهم ليلا وبينهم وبين حرمهم نهارا، وشرب أهلها من الآبار والصهاريج، ومهما ذكرنا من حصانتها فإن أحوال ملوكها تناقضت حتى أفضى الأمر إلى أن أنفذ روجار صاحب صقليّة جرجي إليها في سنة 543 فأخلاها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس وخرج هاربا حتى لحق بعبد المؤمن وبقيت في يد الأفرنج اثنتي عشرة سنة حتى قدم عبد المؤمن في سنة 555 إلى إفريقية فأخذ المهدية في أسرع وقت فهي في يد أصحابه إلى يومنا هذا ولم تغن حصانتها في جنب قضاء الله شيئا، وينسب إلى المهدية جماعة وافرة من العلماء في كل فنّ، منهم: أبو الحسن علي بن محمد بن ثابت الخولاني المعروف بالحدّاد المهدوي القائل:
قالت، وأبدت صفحة ... كالشمس من تحت القناع:
بعت الدفاتر وهي آ ... خر ما يباع من المتاع
فأجبتها، ويدي على ... كبدي وهمّت بانصداع:
لا تعجبي فيما رأي ... ت فنحن في زمن الضّياع
الْمهْدي: من هدى يهدي هِدَايَة، وَالْإِمَام الْهمام مُحَمَّد الْمهْدي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سيولد خلافًا لرأي الشِّيعَة، فَإِنَّهُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عِنْدهم مَوْجُود مختف عَن الْأَعْدَاء وَهُوَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من أَوْلَاد الْحسن بن فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا خلافًا للشيعة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ من أَوْلَاد الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.وَيكْتب صَاحب (منتخب التواريخ) أَن الإِمَام مُحَمَّد الْمهْدي ابْن الإِمَام الْحسن العسكري أمه أم ولد اسْمهَا (نرجس) كَانَت وِلَادَته لَيْلَة الْجُمُعَة الْخَامِس عشر من شعْبَان سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ فِي سامراء، غَابَ غيبته الصُّغْرَى فِي زمن الْمُعْتَمد العباسي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وغيبته الْكُبْرَى كَانَت فِي زمن الراضي بن المقتدر العباسي بتاريخ ثَمَان وَعشْرين وَثَلَاث مائَة. (انْتهى) . وَعِنْدنَا اسْمه مُحَمَّد وَاسم أَبِيه عبد الله، وَاسم أمه آمِنَة، مَوْلُود بِمَكَّة، وهجرته بِبَيْت الْمُقَدّس وَيكون فِيهَا قَبره.وحليته مسطورة فِي كتب السّير وَيظْهر على الْخلق وَله أَرْبَعُونَ سنة فِي مَكَّة الشَّرِيفَة يَوْم عَاشُورَاء بعد الْعشَاء وَيفهم من بعض الرسائل أَن ظُهُوره فِي الْمِائَتَيْنِ بعد الْألف وَفِي وَقت ظُهُوره رِوَايَات مُخْتَلفَة ويبايعه ثَلَاث مائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا من أَشْرَاف الْقَوْم على عدد أهل بدر بَين الْحجر الْأسود ومقام إِبْرَاهِيم، وَمَعَهُ علم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام مَكْتُوب عَلَيْهِ الْبيعَة لله وحامله شُعَيْب بن صَالح التَّيْمِيّ وَأَيْضًا قَمِيص النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وسيفه وَأكْثر من يبايعه أهل الْكُوفَة وَأهل الْيمن وأبدال الشَّام وَيملك الدُّنْيَا كلهَا كسليمان عَلَيْهِ السَّلَام وَذي القرنين يملك الْعَرَب والعجم بِلَا محاربة وَمُدَّة سلطنته سبع سِنِين. وَفِي رِوَايَة ثَمَان. وَفِي رِوَايَة تسع. مقدم جَيْشه جِبْرَائِيل ومؤخره مِيكَائِيل وَمَعَهُ ثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة. وَيكون على رَأسه سَحَاب فِيهِ ملك يَقُول هَذَا هُوَ الْمهْدي الْمَوْعُود فَبَايعُوهُ وسعة كَلَامه من الْمشرق إِلَى الْمغرب حَتَّى يَسْتَيْقِظ النَّائِم مِنْهُ. وَله خوارق وكرامات وَيخرج من الْبَلدة التابوت فِيهِ سكينَة من ربكُم وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هَارُون وَأَرْبَعَة أَلْوَاح من التَّوْرَاة وعصا مُوسَى وحلة آدم وَخَاتم سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام. وَإِذا أَتَى على بَلْدَة يَقُول الله أكبر الله أكبر فيهدم جدران حصنها. فَإِذا ملك الأَرْض كلهَا يملأها عدلا بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي المؤذيات أحدا ويلعب الصّبيان مَعَ الْحَيَّات والعقارب ويسكن فِي بَيت الْمُقَدّس ثمَّ يبلغهُ الْخَبَر بِخُرُوج الدَّجَّال. فَينزل عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام. ثمَّ الْأَصَح أَنه يُصَلِّي بِالنَّاسِ ويقتدي بِهِ الْمهْدي لِأَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام أفضل فإمامته أولى كَذَا فِي شرح العقائد للعلامة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ الْمعول عَلَيْهِ الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الثِّقَات من الْمُحدثين (وَقَالَ القَاضِي عِيسَى) فِي رسَالَته فِي بَاب الْمهْدي أَنه يجمع الْمهْدي وَعِيسَى ابْن مَرْيَم فِي وَقت الصَّلَاة فَيَقُول الْمهْدي لعيسى ابْن مَرْيَم تقدم فَيَقُول عِيسَى أَنْت أولى بِالصَّلَاةِ فَيصَلي عِيسَى عَلَيْهِ وَالسَّلَام وَرَاءه مَأْمُوما. وَعَن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه قَالَ الْمهْدي ينزل عَلَيْهِ عِيسَى ابْن مَرْيَم يُصَلِّي خَلفه عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمهْدي مني أجلى الْجَبْهَة أقنى الْأنف يمْلَأ الأَرْض قسطا وعدلا كَمَا ملئت ظلما وجورا يملك سبع سِنِين.(بَاب النُّون مَعَ الصَّاد)
المَهْدي: من هداه الله تعالى وبه سمّيالمهدي الذي بَشَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمجيئه في آخر الزمان ليهدي الناسَ ويجتمع مع عيسى عليه السلام عند نزوله ويملك العربَ والعجم ويقتل الدجّالَ وغير ذلك مما ورد به الأخبار كذا في المجمع.

أحمد المهدي بن محمد الصادق النيفر

تكملة معجم المؤلفين

والذاريات) - نشرها له المكتب الإسلامي في عدة طبعات.
- وله محاضرات وأحاديث في محطة الإذاعة السورية في الأدب والشعر والتوجيه، وله كتابات مُجيدة في الدفاع عن الإسلام والحضارة الإسلامية (¬1).

أحمد المهدي بن محمد الصادق النيفر
(1326 - 1397 هـ) (1908 - 1987 م)
الأستاذ الخطيب، المفتي.
ولد بتونس وبها نشأ، وانخرط في سلك طلبة جامع الزيتونة عام 1921 م، وتولى الإمامة والخطابة بجامع الزراعية بعد وفاة والده الشيخ محمد الصادق
¬__________
(¬1) أعلام دمشق في القرن الرابع عثسر الهجري ص 44، شخصيات إسلامية ص 136 - 137، الموسوعة الصحفية العربية 1/ 75، تاريخ علماء دمشق 3/ 433، أناشيد الدعوة الإسلامية 1/ 65 - 69.

حسن بن عبد الوهاب المهدي

تكملة معجم المؤلفين

(صدرت الطبعة الأولى عام 1386 هـ، بدون ناشر).
- المرأة .. كيف عاملها الإسلام. - جدة: مطابع دار الأصفهاني، - 139 هـ، 25، 23 ص (بالعربية والإنجليزية).
- دورنا في الكفاح: آراء صريحة في مجتمعنا. - الرياض: مطابع نجد التجارية، 1383 هـ، 195 ص.
- خطوات على الطريق الطويل. - جدة: تهامة للنشر، 1412 هـ، 112 ص. - (الكتاب العربي السعودي؛ 119).

حسن بن عبد الوهاب المهدي
(1358 - 1406 هـ) (1939 - 1985 م)
شاعر.
من القطيف بالسعودية. نال الشهادة الابتدائية عام 1375. عمل في وظيفة حكومية بسيطة في دائرة المحاكم بالقطيف.
له شعر غزير، نشر بعضه في صحيفتي أخبار
1148- المهدي 1:
الخَلِيْفَةُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ المَنْصُوْرِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الهَاشِمِيُّ، العَبَّاسِيُّ.
مَوْلِدُه بإيْذَج مِنْ أَرْضِ فَارِسٍ، فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ. وَقِيْلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ. وَأُمُّهُ: أُمُّ مُوْسَى الحِمْيَرية.
كَانَ جوادًا، ممدحًا، مِعْطَاءً، مُحَبَّباً إِلَى الرَّعِيَّةِ، قَصَّابًا فِي الزَّنَادِقَةِ، بَاحِثاً عَنْهُم، مَلِيحَ الشَّكْلِ. قَدْ مرَّ مِنْ أَخْبَارِهِ فِي "تَارِيْخِي الكَبِيْرِ".
وَلَمَّا اشْتدَّ، وَلاه أَبُوْهُ مَمْلَكَةَ طَبَرِسْتَانَ، وَقَدْ قَرَأَ العِلْمَ، وَتَأَدَّبَ وَتَمَيَّزَ.
غَرِمَ أَبُوْهُ أَمْوَالاً حَتَّى اسْتَنْزَلَ وَلِيَّ العَهْدِ ابْنَ أَخِيْهِ عِيْسَى بنَ مُوْسَى مِنَ العَهْدِ لِلْمَهْدِيِّ، وَلَمَّا مَاتَ المَنْصُوْرُ، قَامَ بِأَخذِ البَيْعَةِ لِلْمَهْدِيِّ الرَّبِيْعُ بنُ يُوْنُسَ الحَاجِبُ.
وَكَانَ المَهْدِيُّ أَسْمَرَ، مَلِيْحاً، مُضْطَرِبَ الخَلْقِ، عَلَى عَيْنِهِ بَيَاضٌ، جَعْدَ الشَّعرِ، وَنَقْشُ خَاتَمِه: اللهُ ثِقَةُ مُحَمَّدٍ، وَبِهِ نُؤمِنُ.
يَقْطُوْنَه: أَنْبَأَنَا أَبُو العَبَّاسِ المَنْصُوْرِيُّ، قَالَ: لَمَّا حَصَلت الخَزَائِنُ فِي يَدِ المَهْدِيِّ، أَخَذَ فِي رَدِّ المَظَالِمِ، فَأَخَرَجَ أَكْثَرَ الذَّخَائِرِ، فَفَرَّقَهَا، وَبرَّ أَهْلَه وَمَوَالِيْهِ. فَقِيْلَ: فَرَّقَ أَزْيَدَ مِنْ مائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ.
وَقِيْلَ: إِنَّهُ أُثنِيَ عَلَيْهِ بِالشَّجَاعَةِ، فَقَالَ: لِمَ لاَ أَكُوْنُ شُجَاعاً? وَمَا خِفتُ أَحَداً إِلاَّ اللهَ -تَعَالَى.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَنَّ المَهْدِيَّ كَتَبَ إِلَى الأَمصَارِ يَزجُرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنْ أهل الأهواء في شيء منها.
__________
1 ترجمته في مروج الذهب للمسعودي "2/ 246"، تاريخ بغداد "5/ 391"، العبر "1/ 230 و234"، الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي "3/ 300"، شذرات الذهب "1/ 230 و245".

علية بنت المهدي

سير أعلام النبلاء

1573- عُلَيَّةُ بِنْتُ المَهْدِيِّ 1:
وَأُخْتُ الرَّشِيْدِ الهَاشِمِيَّةُ العَبَّاسِيَّةُ أدبية شَاعِرَةٌ عَارِفَةٌ بِالغِنَاءِ، وَالمُوْسِيْقَى رَخِيْمَةُ الصَّوْتِ ذَاتُ عِفَّةٍ، وَتَقْوَىً وَمَنَاقِبَ.
وأُمُّهَا أُمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا: مَكْنُوْنَةُ كَانَتْ جَمِيْلَةً بَارِعَةَ الغِنَاءِ اشتُرِيَتْ بِمائَةِ أَلْفٍ.
وكَانَتْ عُلَيَّةُ مِنْ مِلاَحِ زَمَانِهَا وَأَظْرَفِ بَنَاتِ الخُلَفَاءِ.
رَوَى إِبْرَاهِيْمُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الكَاتِبُ: أَنَّهَا كَانَتْ لاَ تُغَنِّي إلَّا زَمَنَ حَيْضِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ أَقْبَلَتْ عَلَى التِّلاَوَةِ وَالعِلْمِ، إلَّا أَنْ يَدْعُوَهَا الخَلِيْفَةُ وَلاَ تَقْدِرُ تُخَالِفَهُ.
وكَانَتْ تَقُوْلُ: لاَ غُفِرَ لِي فَاحِشَةٌ ارْتَكَبْتُهَا قَطُّ، وما أقول في شعري إلَّا عبثًا.
وَجَاءَ عَنْهَا قَالَتْ: مَا كَذَبْتُ قَطُّ.
وَكَانَ أَخُوْهَا لاَ يَصْبِرُ عَنْ غِيَابِهَا وَأَخَذَهَا مَعَهُ إِلَى الرَّيِّ.
قِيْلَ: مَاتَتْ سَنَةَ عَشْرٍ وَمائَتَيْنِ وَلَهَا خَمْسُوْنَ سَنَةً.
وَسَبَبُ مَوْتِهَا: أَنَّ المَأْمُوْنَ ضَمَّهَا إِلَيْهِ فَقَبَّلَهَا وَهِيَ عَمَّتُهُ، وَكَانَ وَجْهُهَا مُغَطَّى فَشَرِقَتْ وَسَعَلَتْ ثُمَّ حُمَّتْ أَيَّاماً وَمَاتَتْ.
__________
1 ترجمتها في الأغاني "10/ 162"، فوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي "3/ 123"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "2/ 191".

إبراهيم بن المهدي

سير أعلام النبلاء

1729- إبراهيم بن المهدي 1:
الأمير الكبير أبوإسحاق الملقب: بالمبارك إبراهيم بن أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي جَعْفَرٍ الهَاشِمِيُّ العَبَّاسِيُّ الأَسْوَدُ.
ويُعْرَفُ: بِالتِّنِّيْنِ لِلْونِهِ وضَخَامَتِهِ.
كَانَ فَصِيْحاً بَلِيْغاً عَالِماً أَدِيْباً شَاعِراً رَأْساً فِي فَنِّ المُوْسِيْقَى.
وَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ شَكْلَةَ وَهِيَ أُمُّهُ.
حَدَّثَ عَنْ: المُبَارَكِ بنِ فَضَالَةَ وَحَمَّادٍ الأَبَحِّ.
رَوَى عَنْهُ: وَلَدُهُ هِبَةُ اللهِ وَحُمَيْدُ بنُ فَرْوَةَ، وَأَحْمَدُ بنُ الهَيْثَمِ وَغَيْرُهُم.
قَالَ عَلِيُّ بنُ المُغِيْرَة الأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ: أَنَّهُ وَلِيَ إِمْرَةَ دِمَشْقَ أَعْوَاماً لَمْ يُقْطَعْ فِيْهَا عَلَى أَحَدٍ طَرِيْقٌ، وَحُدِّثْتُ أَنَّ الآفَةَ فِي قطع الطريق من دعامة، وَنُعْمَانَ، وَيَحْيَى بنِ أُرمِيَا اليَهُوْدِيِّ البَلْقَاوِيِّ، وَأَنَّهُم لَمْ يَضَعُوا يَدَهُم فِي يَدِ عَامِلٍ فَكَاتَبْتُهُم فَتَابَ دُعَامَةُ وَحَلَفُ النُّعْمَانُ بِالأَيْمَانِ أنَّهُ لاَ يُؤْذِي مَهْمَا وُلِّيْتُ. وَطَلَبَ ابْنُ أُرمِيَا أَمَاناً ليَأْتِي، وَيُنَاظِرَ فَأَجَبْتُهُ فَقَدِمَ شَابٌّ أَشْعَرُ أَمْعَرُ فِي أَقبِيَةِ دِيْبَاجٍ، وَمِنْطَقَةٍ وَسَيْفٍ مُحَلَّى فَدَخَلَ عَلَى الخَضْرَاءِ فَسَلَّمَ دُوْنَ البِسَاطِ فَقُلْتُ: اصْعَدْ قَالَ: إِنَّ لِلْبِسَاطِ ذِمَاماً أَخَافُ أَنْ يُلْزِمَنِي جُلُوسِي عَلَيْهِ وَمَا أَدْرِي مَا تَسُومُنِي قُلْتُ: أَسْلِمْ، وَأَطِعْ قَالَ: أَمَّا الطَّاعَةُ فَأَرْجُو وَلاَ سَبِيْلَ إِلَى الإِسْلاَمِ فَمَا عِنْدَكَ إِنْ لَمْ أُسْلِمْ؟ قُلْتُ: لاَ بُدَّ مِن جِزْيَةٍ. قَالَ: أَعْفِنِي قُلْتُ: كَلاَّ. قَالَ: فَأَنَا مُنْصَرِفٌ عَلَى أَمَانِي فَأَذِنْتُ لَهُ وَأَمَرْتُهُم أَنْ يُسْقُوا فَرَسَهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ دَعَا بِدَابَّةِ غُلاَمِهِ وَتَرَكَ فَرَسَهُ وَقَالَ: لَنْ آخُذَ شَيْئاً ارْتَفَقَ مِنْكُم فَأُحَارِبَكُم عَلَيْهِ. فَاسْتَحْيَيتُ، وَطَلَبْتُهُ فَلَمَّا دَخَلَ قُلْتُ:
__________
1 ترجمته في مروج الذهب "7/ 96"، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني "10/ 95"، وتاريخ بغداد "6/ 142"، والإكمال لابن ماكولا "1/ 518"، والأنساب للسمعاني "3/ 97"، واللباب لابن الأثير "1/ 226"، ووفيات الأعيان "1/ ترجمة 9"، والعبر "1/ 389"، ولسان الميزان "1/ 98"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "2/ 240"، وشذرات الذهب لابن العماد "2/ 53".

المهدي وذريته

سير أعلام النبلاء

2910- المهدي وذريته 1:
عبيد الله أبو محمد، أَوَّلُ مَنْ قَامَ مِنَ الخُلَفَاءِ الخَوَارِجِ العُبَيْدِيَّة البَاطنيَّةِ الَّذِيْنَ قَلَبُوا الإِسْلاَمَ، وَأَعْلنُوا بِالرَّفضِ، وَأَبطنُوا مَذْهَبَ الإِسْمَاعِيليَّة، وَبثُّوا الدُّعَاةَ، يَسْتَغوون الجَبَليَّة وَالجَهَلَةَ.
وَادَّعَى هَذَا المدْبرُ، أَنَّهُ فَاطمِيٌّ مِنْ ذُرِّيَّة جَعْفَر الصَّادِق فَقَالَ: أَنَا عُبَيْد اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَيْمُوْنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّد.
وَقِيْلَ: بَلْ قَالَ: أَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ.
وَقِيْلَ: لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ عُبَيْد اللهِ، بَلْ إِنَّمَا هُوَ سَعِيْدُ بنُ أحمد.
وقيل: سعيد بن الحسين.
وَقِيْلَ: كَانَ أَبُوْهُ يَهُودِيّاً.
وَقِيْلَ: مِنْ أَوْلاَد دَيصَان الَّذِي أَلَّف فِي الزَّنْدَقَةِ.
وَقِيْلَ: لمَا رَأَى اليَسَعُ صَاحِبُ سِجِلْمَاسَة الغَلَبَة، دَخَلَ فَذَبَحَ المَهْدِيَّ. فَدَخَلَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيُّ، فَرَآهُ قَتِيلاً، وَعِنْدَهُ خَادمٌ لَهُ، فَأَبْرَزَ الخَادِمَ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: هَذَا إِمَامكُمْ.
وَالمحقِّقوْنَ عَلَى أَنَّهُ دَعِيٌّ بِحَيْثُ إِنَّ المُعزّ مِنْهُم لَمَّا سأَله السَّيِّدُ ابن طَبَاطَبَا عَنْ نسبه، قَالَ: غداً أُخْرِجه لَكَ، ثُمَّ أَصْبَحَ وَقَدْ أَلقَى عَرَمَة مِنَ الذَّهب، ثُمَّ جَذَبَ نِصْف سَيفِهِ مِنْ غِمُّدِهِ. فَقَالَ: هَذَا نسبِي، وَأَمرهُمْ بنهبِ الذَّهب، وَقَالَ: هَذَا حسبي.
وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ البَاقِلاَّنِي وَغَيْرُهُ مِنَ الأَئِمَّةِ فِي هَتْكِ مقَالاَتِ العُبَيْدِيَّة، وَبُطلاَنِ نَسَبهم.
فَهَذَا نَسَبُهُم، وَهَذِهِ نِحْلَتُهُم. وَقَدْ سُقتُ فِي حَوَادِثِ تَارِيْخنَا مِنْ أَحْوَالِ هَؤُلاَءِ وَأَخْبَارِهِم فِي تفَاريقِ السنين عجائب.
__________
1 ترجمته في وفيات الأعيان "3/ ترجمة 357"، والعبر "2/ 193"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "3/ 246"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "2/ 294".

أبو علي بن المهدي

سير أعلام النبلاء

4674- أبو علي بن المهدي 1
الشَّيْخُ الإِمَامُ، الخَطِيْبُ الثِّقَةُ الشَّرِيْفُ، أَبُو عَلِيٍّ محمد بن الشَّيْخِ أَبِي الفَضْلِ مُحَمَّد بن عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ العَبَّاسِ بنِ المَهْدِيِّ بِاللهِ الهَاشِمِيّ البَغْدَادِيّ, الحريمي.
سَمِعَ: أَبَاهُ، وَأَبَا طَالبِ بنَ غَيْلاَنَ، وَعبيدَ الله بنَ شَاهِيْن، وَأَبَا الحَسَنِ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدٍ العَتِيْقِيّ، وَأَبَا إِسْحَاقَ البَرْمَكِيّ، وَأَبَا القَاسِمِ التَّنُوْخِي، وَعِدَّة.
وَكَانَ ثِقَةً مُكْثِراً معمَّراً.
رَوَى عَنْهُ السِّلَفِيّ: وَأَبُو العَلاَءِ العَطَّار، وَابْنُ نَاصر، وَدَهْبَلُ بنُ كَاره، وَأَخُوْهُ لاَحِق، وَأَحْمَد بن مَوْهُوْبِ بنِ السَّدنك، وَأَخُوْهُ يَحْيَى، وَذَاكرُ بنُ كَامِلٍ، وَالمُبَارَكُ بن الْمَعْطُوشِ، وَآخَرُوْنَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ أَبِي مَنْصُوْرٍ مُحَمَّد بن مُحَمَّدِ بنِ السَّوَّاق، وَتَفَرَّد بِإِجَازَة مُحَمَّد بن عبد الوَاحِد بن رِزمَة.
مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ. قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ: ثِقَةٌ صَالِحٌ.
وَقَالَ ابْنُ النَّجَّار: ثِقَةٌ نَبِيل مِنْ ظِرَاف البَغْدَادِيِّيْنَ، قَالَ الأَنْمَاطِيّ: دَخَلت عَلَيْهِ، فَقَالَ: اليَوْمَ كَانَ عِنْدِي رَسُوْلاَنِ مِنْ رسل مَلَك المَوْتِ، فَتَبَسَّمتُ، وَقُلْتُ: كَيْفَ? قَالَ: جَاءَ جَمَاعَةٌ حَتَّى أشْهدتُهُم عَلَى شهَادَةٍ عِنْدِي، وَجَاءَ المُحَدِّثُونَ لِيَسْمَعُوا مِنِّي حَتَّى يَروُوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الحُسَيْنِ بن الْمُهْتَدي بِاللهِ، وَاتَّفَقَ لَهُ مِثْل هَذَا، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ الأَنْمَاطِيّ: تُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ, سَادسَ عَشرَ شَوَّالٍ, سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة.
وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ شُهُودِ القَائِمِ بِأَمرِ الله.
وَفِيْهَا تُوُفِّيَ: مُسْنِدُ الوَقْت أَبُو عَلِيٍّ الحَدَّاد بأصبهان، وأمير الجيوش الأفضل بن أَمِيْر الجُيُوْش بدر الجمَالِي، وَالوَزِيْرُ أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بنُ حَرْبٍ السُّمَيْرمِي، وَأَبُو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ جَعْفَرِ بنِ القطَاع اللُّغَوِيّ، وَهزَارسب بن عوض الهروي المحدث.
__________
1 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "9/ 230"، والعبر "4/ 35"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 222"، وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 48".
النحوي: أحمد بن يحيى بن المرتضى بن مفضل بن منصور الحسني، من سلالة الهادي إلى الحق.
ولد: سنة (775 هـ) خمس وسبعين وسبعمائة، وقيل سنة (764 هـ) أربع وستين وسبعمائة.
من مشايخه: الهادي، والقاضي يحيى بن محمّد المذحجي وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* البدر الطالع: "قرأ في علم العربية فلبث في قراءة النحو والتصريف والمعاني والبيان قدر سبع سنين ... الإمام الكبير المصنف في جميع العلوم" أ. هـ.
* الأعلام: "عالم بالدين والأدب من أئمة الزيدية في اليمن" أ. هـ.
* مصادر الفكر: "له الأزهار في فقه الأئمة الأطهار أختصره مؤلفه من كتاب الأنتصار للامام يحيى بن حمزة، وهو عمدة المذهب الزيدي وعليه شروح كثيرة.
وله كتاب تكملة الأحكام والتصفية من بواطن الآثار (في التصوف) ألفه وهو في قلعة أبي زيد"
أ. هـ.
* قلت: ومن كتاب "طبقات المعتزلة" (¬2) للمترجم، وبعد مراجعته تبين: أنه يدافع عن المعتزلة، وقد قسم الكتاب إلى طبقات وجعل الطبقة الأولى الخلفاء الراشدين وبعض الصحابة وإضافة إلى ذلك فإنه قدم عليًّا - رضي الله عنه - على بقية الخلفاء الراشدين. حيث ذكر صفحة (9): الطبقة الأولى الخلفاء الأربعة وهم عليّ - عليه السلام -
¬__________
* غاية النهاية (1/ 148)، الدرر (1/ 354).
(¬1) أشار ابن حجر في الدرر بوجود ترجمته في معرفة القراء للذهبي، ولم نجده في المطبوع، لعله سقط منه، والله أعلم.
* البدر الطالع (1/ 122)، الأعلام (1/ 269)، معجم المؤلفين (1/ 325).
(¬2) طبقات المعتزلة للمترجم له -بتحقيق سوسنة ديفلد- فيلز- طبعة بيروت لبنان (1961 م)، مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن (583).

وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ... " أ. هـ.
* قلت: وقال محققه في مقدمته بعد ما ذكر كتاب "
طبقات المعتزلة" هذا الذي هو جزء من كتاب اسمه "كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل" وبيَّن المحقق أقسامه ومنه هذا الجزء الذي هو "طبقات المعتزلة" قال: "يعتمد المؤلف في كثير من ذلك -أي في إحالاته في طبقاته هذه- على "كتاب الملل والنحل" للشهرستاني ... بذكر من قال بالاعتزال من آل النبي والخلفاء والزهاد والفقهاء والشعراء (ص 120 - ص 132) ثم يعود إلى بيان الفرق ويذكر فرق المعتزلة بالتفصيل مع ذكر ما انفردت به كل واحدة منها من القول ... ثم يتكلم عن أبي الفرق تكون "الناجية" ويقول: إن الزيدية هي الفرقة الناجية أ. هـ. ودليله على هذا أن المعتزلة وإن اجتمعت على العدل والتوحيد والقول بإمامة زيد، وقع من بعضهم اعتقادات أخر تقتضي الهلكة ... وكذلك وقع من كثير منهم اعتقادات تمثل الهلكة فهؤلاء ليسوا على صفة خلف الزيدية في سلامة اعتقادهم من الشوائب المهلكة من الاعتقادات الدينية .. ألا ترى أن كثيرًا من الخوارج يقولون بالعدل والتوحيد، ولم يسلموا من شائب في اعتقادهم، وكذلك بعض الرافضة وكذلك نقول في بعض المعتزلة. انتهى قول المترجم" أ. هـ. قول المحقق.
وقال صاحب كتاب "
الأصول التي بني عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات" (¬1) في هامشه عند تعريفه بالمترجم له (1/ 357): "زيدي المذهب، معتزلي المعتقد، اعتمد على كتب الحاكم الجشمي الكلامية اعتمادًا كليًّا، حتى لا تكاد تلمح أدنى اختلاف بين آرائهما الكلامية" أ. هـ.
قلت: هذا يكفي في بيان اعتقاده على مذهب الزيدية أحد أكبر فرق الشيعة كما عرفنا بها -أي الزيدية- سابقًا مع اعتزاله ... والله الموفق لخير السبيل.
وفاته: سنة (840 هـ) أربعين وثمانمائة.
من مصنفاته: "
معيار العقول وشرحه منهاج الوصول" في علم النحو، و "الشافية شرح الكافية" و "طبقات المعتزلة".

المقرئ: محمّد المهدي بن عبد السلام بن المعطي متجنوش، أبو عيسى الرباطي.
ولد: (1278 هـ) ثمان وسبعين ومائتين والف.
من مشايخه: شيخ الجماعة بالرباط أبو إسحاق إبراهيم التادلي الشهير وغيره.
من تلامذته: عبد الحفيظ الفاسي وغيره.
كلام العلماء فيه:
• معجم الشيوخ: "كان رحمه الله عالمًا مشاركًا في كثير من الفنون متضلعًا في علم القراءات مطلعًا على وجوهها وأحكامها عارفًا بتطبيقاتها على الآيات والنطق بها ماهرًا في علم الفرائض والتنجيم والتعديل قلّ نظيره في كل ذلك مائلًا إلى التصوف متباعدًا عن خلطة الناس عارفًا بأحوالهم ودسائسهم رفيع الهمة أبيّ النفس مع إقلال وضعف حال، كثير العبادة والتلاوة حلو المفاكهة حاد النادرة كلامه حكم وأمثال ومواعظ واستدلال .. " أ. هـ.
• الأعلام: "عالم بالحساب والقراءات، أندلسي الأصل، مولده ووفاته في رباط الفتح" أ. هـ.
• معجم المؤلفين: "مقرئ فلكي، حاسب، أديب، صوفي، واعظ فرضي" أ. هـ.
وفاته: سنة (1344 هـ) أربع وأربعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "رعاية الأداء في كيفية الجمع بين السبعة القراء" و"التحفة في مخارج الحروف" في التجويد.

النحوي: محمّد المهدي بن محمّد بن محمّد بن خضر بن قاسم العمراني الوزّاني الفاسي، أبو عيسى.
ولد: سنة (1266 هـ) ست وستين ومائتين وألف.
من مشايخه: والده، ومحمد التطواني، ومحمد الغنضور وغيرهم.
من تلامذته: عبد الحفيظ الفاسي، ومحمد الصادق النيفر.
¬__________
* معجم الشيوخ (2/ 51)، الأعلام (7/ 114)، معجم المؤلفين (3/ 738).
* الأعلام (7/ 113)، هدية العارفين (2/ 323)، معجم المؤلفين (1/ 739).
* شجرة النور (435)، معجم الشيوخ (2/ 48)، الأعلام (7/ 114)، الأعلام الشرقية (1/ 405)، معجم المؤلفين (3/ 740).

كلام العلماء فيه:
• معجم الشيوخ: "كان المترجم رحمه الله من أشهر علماء فاس والمغرب وأئمة الفقه به مشاركًا في كثير من الفنون متضلعًا في الفقهيات عارفًا بالنوازل الوقتية وأحكام المعاملات مرجوعًا إليه فيها من سائر أقطار المغرب، وألّف فيها المؤلفات العظيمة .. وكان متواضعًا كريم النفس حسن الأخلاق، جميل المعاشرة حلو المفاكهة.
وله تأليف في الرد على محمّد عبده في مسألة منع التوصل إلى الله بالأولياء والأنبياء، وموافقته في إباحة ذبيحة الكتابي التي أفتى بها الجد أبو السعود عبد القادر وحررها الإمام أبو بكر بن العربي التي أجمع المفسرون على أنها المراد من قول الله تعالى: {{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}} الآية"
أ. هـ.
• الأعلام: "مفتي فاس وفقيهها في عصره. من المالكية" أ. هـ.
وفاته: سنة (1342 هـ) إثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف.
من مصنفاته: "حاشية على شرح المكودي للألفية" في النحو وغير ذلك.

*المهدية مدينة مغربية قديمة تقع على شاطئ المحيط الأطلنطى بين العرائش والرباط، عند مصب نهر سبو، على بعد (9) كم من القنيطرة، أُسست فى العصر الموحدى، وكانت تُسمى بالمعمورية؛ لقربها من غابة المعمورية الشهيرة.
احتلها البرتغال فى القرن السادس عشر، وجدد بناءها المولى إسماعيل بعدما طرد المغيرين منها سنة (1091هـ = 1680م)، ولا تزال أطلالها بادية للعيان.
59 - الأنصار المهدية
مصطلح يطلق على أتباع مهدى السودان، الذى ادّعى فى ربيع الثانى عام 1298هـ، مارس 1886م أنه المهدى المنتظر، وأطلق على اتباعه الأنصار، تأسيا بالنبى صلى الله عليه وسلم، وكان محمد أحمد المهدى زاهدا تقيا، وزعيما دينيا، قادرا على تحريك الجماهير التى قامت بدور ملموس كإحدى حركات التصدى للغزو الأوروبى للعالم الإسلامى.
وقد بدأ محمد المهدى فى تكوين نواة جماعة الأنصار، عندما عاد من الحج وهاجر إلى جزيرة آبا (فى النيل الأبيض) ومناداته بنفسه مهديا وخليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلانه أنه يقوم بحركة لتجديد الإسلام وتحرير بلاده من الترك والإنجليز (1)، فبايعته القبائل فى كردفان ودارفور وبحر الغزال وشرق السودان.
وكان لجماعة الأنصار دور فى قطع وسائل المواصلات بين نواحى السودان المختلفة مما سبب مشاكل جمّة للقوات المصرية هناك حيث منيت القوات التى بعثها حكمدار السودان آنذاك رؤوف باشا بأول هزيمة تواجه الحكومة هناك منذ فتح إسماعيل باشا للسودان مما جعل الحكومة الإنجليزية تضغط على مصر ابتداء من يناير 1884م لإخلاء السودان، فكان لها ما أرادت خاصة بعدما امتد نفوذ الأنصار- ليغطى كل مناطق السودان.
وبعد وفاة محمد المهدى فى رمضان سنة 1302هـ، دب الخلاف بين خلفائه الأربعة الذين اختارهم قبل وفاته، ولكن نجح عبد الله بن محمد التّعايشى الذى لقبه المهدى بالأمين الصديق أبى بكر، فى تزعمه للأنصار وذلك لأنه كان يقود أقوى فرق الأنصار وهم من البقارة والجعليين والدناقلة وهؤلاء كانوا يكونون القوة العسكرية للأنصارفى عصر- التعايش، أما الأعمال الإدارية والمالية فكانت تقوم بها جماعة من الدنقلاوية من أهل بيت محمد أحمد المهدى ويلقبون بالأشراف.
وقد تزعم الأنصار بعد استعادة السودان، عبد الرحمن المهدى بن محمد المهدى 1884م، الذى كان زعيما لحزب الأمة السودانى، ثم خلفه نجله السيد صديق المهدى 1911م الذى كان أيضا زعيما روحيا.
ويتزعم حاليا حزب الأمة السودانى الصادق المهدى، الذى شغل منصب رئيس مجلس الوزراء فى السودان فيما بعد.
أ. د/فاروق عبد الجواد شويقة
__________
الهامش:
1 - تاريخ السودان الحديث ضرار حسن ضرار ص114.
مراجع الأستزادة:
1 - أطلس تاريخ الإسلام. حسين مؤنس: القاهرة. الزهراء للإعلام العربى 1987م.
2 - تاريخ السودان الحديث: ضرار صالح ضرار: ط/بيروت مكتبة الحياة 1968.
3 - معالم تاريخ سودان وادى النيل، من القرن العاشر إلى القرن التاسع عشر الميلادى القاهرة، الشاطر بصيلى عبد الجليل: مطبعة أبو فاضل 1955م.
4 - تاريخ الحركة الوطنية فى السودان محمد عمر بشير 1900م-1969م ترجمة هنرى رياض، وليم رياض، الجنيد على عمر، بيروت دار الجيل 1987م

المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور 158هـ ـ 169هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور 158هـ ـ 169ه

المهدي : أبو عبد الله محمد بن المنصور ولد بأيذج سنة سبع و عشرين و مائة و قيل : سنة ست و عشرين و أمه أم موسى بنت منصور الحميرية

و كان جوادا ممدحا مليح الشكل محببا إلى الرعية حسن الاعتقاد تتبع الزنادقة و أفنى منهم خلقا كثيرا و هو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة و الملحدين روى الحديث عن أبيه و عن مبارك بن فضالة حدث عنه يحيى بن حمزة و جعفر بن سليمان الضبعي و محمد بن عبد الله الرقاشي و أبو سفيان سعيد بن يحيى الحميري قال الذهبي : و ما علمت قيل فيه جرحا و لا تعديلا

و أخرج ابن عدي من حديث عثمان مرفوعا [ المهدي من ولد العباس عمي ] تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم و كان يضع الحديث و أورد الذهبي هنا حديث ابن مسعود مرفوعا : [ المهدي يواطىء اسمه اسمي و اسم أبيه اسم أبي ] أخرجه أبو داود و الترمذي و صححه

و لما شب المهدي أمره أبوه على طبرستان و ما والاها و تأدب و جالس العلماء و تميز ثم إن أباه عهد إليه فلما مات بويع بالخلافة و وصل الخبر إليه ببغداد فخطب الناس فقال : إن أمير المؤمنين عبد دعي فأجاب و أمر فأطاع و اغرورقت عيناه فقال : قد بكى رسول الله صلى الله عليه و سلم عند فراق الأحبة و لقد فارقت عظيما و قلدت جسيما فعند الله أحتسب أمير المؤمنين و به أستعين على خلافة المسلمين أيها الناس أسروا مثل ما تعلنون من طاعتنا نهبكم العافية و تحمدوا العاقبة و اخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم و طوى الإصر عنكم و أهال عليكم السلامة من حيث رآه الله مقدما ذلك و الله لأفنين عمري بين عقوبتكم و الإحسان إليكم

قال نفطويه : لما حصلت الخزائن في يد المهدي أخذ في رد المظالم فأخرج أكثر الذخائر ففرقها و بر أهله و مواليه

و قال غيره : أول من هنأ المهدي بالخلافة و عزاه بأبيه أبو دلامة فقال :

( عيناي واحدة ترى مسرورة ... بأميرها جذلى و أخرى تذرف )

( تبكي و تضحك تارة و يسوءها ... ما أنكرت و يسرها ما تعرف )

( فيسوءها موت الخليفة محرما ... و يسرها أن قام هذا الأرأف )

( ما إن رأيت كما رأيت و لا أرى ... شعرا أسرحه و آخر ينتف )

( هلك الخليفة يا لدين محمد ... و أتاكم من بعده من يخلف )

( أهدى لهذا الله فضل خلافة ... و لذاك جنات النعيم تزخرف )

و في سنة تسع و خمسين بايع المهدي بولاية العهد لموسى الهادي ثم من بعده لهارون الرشيد ولديه

و في سنة ستين فتحت أربد من الهند عنوة و فيها حج المهدي فأنهى إليه حجبة الكعبة أنهم يخافون هدمها لكثرة ما عليها من الأستار فأمر بها فجردت و اقتصر على كسوة المهدي و حمل إلى المهدي الثلج إلى مكة قال الذهبي : لم يتهيأ ذلك لملك قط

و في سنة إحدى و ستين أمر المهدي بعمارة طريق مكة و بنى بها قصورا و عمل البرك و أمر بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام و قصر المنابر و صيرها على مقدار منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم

و في سنة ثلاث و ستين و ما بعدها كثرت الفتوح بالروم

و في سنة ست و ستين تحول المهدي إلى قصره المسمى بعيساباذ و أمر فأقيم له البريد من المدينة النبوية و من اليمن و مكة إلى الحضرة بغالا و إبلا

قال الذهبي : و هو أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق

و فيها و فيما بعدها جد المهدي في تتبع الزنادقة و إبادتهم و البحث عنهم في الأفاق و القتل على التهمة

و في سنة سبع و ستين أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام و أدخل في ذلك دورا كثيرة

و في سنة تسع و ستين مات المهدي : ساق خلف صيد فاقتحم الصيد خربة و تبعه الفرس فدق ظهره في بابها فمات لوقته و ذلك لثمان بقين من المحرم و قيل : إنه مات مسموما و قال سلم الخاسر يرثيه :

( و باكية على المهدي عبرى ... كأن بها و ما جنت جنونا )

( و قد خمشت محاسنها و أبدت ... غدائرها و أظهرت القرونا )

( لئن بلي الخليفة بعد عز ... لقد أبقى مساعي ما بلينا )

( سلام الله عدة كل يوم ... على المهدي حين ثوى رهينا )

( تركنا الدين و الدنيا جميعا ... بحيث ثوى أمير المؤمنينا )

و من أخبار المهدي : قال الصولي : لما عقد المهدي العهد لولده موسى قال مروان بن أبي حفصة :

( عقدت لموسى بالرصافة بيعة ... شد الإله بها عرى الإسلام )

( موسى الذي عرفت قريش فضله ... و لها فضيلتها على الأقوام )

( بمحمد بعد النبي محمد ... حي الحلال و مات كل حرام )

( مهدي أمته الذي أمست به ... للذل آمنة و للآعلام )

( موسى ولي عهد الخلافة بعده ... جفت بذاك مواقع الأقلام )

و قال آخر :

( يا بن الخليفة إن أمة أحمد ... تاقت إليك بطاعة أهواؤها )

( و لتملأن الأرض عدلا كالذي ... كانت تحدث أمة علماؤها )

( حتى تمنى لو ترى أمواتها ... من عدل حكمك ما ترى أحياؤها )

( فعلى أبيك اليوم بهجة ملكها ... و غدا عليك إزارها و رداؤها )

و أسند الصولي أن امرأة اعترضت المهدي فقالت : يا عصبة رسول الله صلى الله عليه و سلم انظر في حاجتي فقال المهدي : ما سمعتها من أحد قط ! اقضوا حاجتها و أعطوها عشرة آلاف درهم

و قال قريش الختلي : رفع صالح بن عبد القدوس البصري إلى المهدي في الزندقة فأراد قتله فقال : أتوب إلى الله و أنشده لنفسه :

( ما يبلغ الأعداء من جاهل ... مما يبلغ الجاهل من نفسه )

( و الشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه )

فصرفه فلما قرب من الخروج رده فقال : ألم تقل و الشيخ لا يترك أخلاقه ؟ قال : بلى قال : فكذلك أنت لا تدع أخلاقك حتى تموت ثم أمر بقتله

و قال زهير : قدم على المهدي بعشرة محدثين : منهم فرج بن فضالة و غياث بن إبراهيم ـ و كان المهدي يحب الحمام ـ فلما أدخل غياث قيل له : حدث أمير المؤمنين فحدثه عن فلان عن أبي هريرة مرفوعا [ لا سبق إلا في حافر أو نصل ] و زاد فيه [ أو جناح ] فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم فلما قام قال : أشهد أن قفاك قفا كذاب و إنما استجلبت ذلك ثم أمر بالحمام فذبحت

و روي أن شريكا دخل على المهدي فقال له : لابد من ثلاث : إما أن تلي القضاء أو تؤدب ولدي و تحدثهم أو تأكل عندي أكلة ؟ ففكر ساعة ثم قال : الأكلة أخف علي فأمر المهدي بعمل ألوان من المخ المعقود بالسكر و غير ذلك فأكل فقال الطباخ : لا يفلح بعدها قال فحدثهم بعد ذلك و علمهم العلم و ولي القضاء لهم

و أخرج البغوي في الجعديات عن حمدان الأصبهاني قال : كنت عند شريك فأتاه ابن المهدي فاستند و سأل عن حديث فلم يلتفت شريك ثم أعاد فعاد فقال : كأنك تستخف بأولاد الخلفاء قال : لا و لكن العلم أزيد عند أهله من أن يضيعوه فجثا على ركبتيه ثم سأله فقال شريك : هكذا يطلب العلم و من شعر المهدي ما أنشده الصولي :

( ما يكف الناس عنا ... ما يمل الناس منا )

( إنما همتهم أن ... ينبشوا ما قد دفنا )

( لو سكنا بطن أرض ... فلكانوا حيث كنا )

( و هم إن كاشفونا ... في الهوى يوما مجنا )

و أسند الصولي عن محمد بن عمارة قال : كان المهدي جارية شغف بها و هي كذلك إلا أنها تتحاماه كثيرا فدس إليها من عرف ما في نفسها فقالت : أخاف أن يملني و يدعني فأموت فقال المهدي في ذلك :

( ظفرت بالقلب مني ... غادة مثل الهلال )

( كلما صح لها ود ... ي جاءت باعتلال )

( لا لحب الهجر مني ... و التنائي عن وصال )

( بل لإبقاء على ح ... بي لها خوف الملال )

و له نديمة عمر بن بزيع :

( رب تمم لي نعمي ... بأبي حفص نديمي )

( إنما لذة عيشي ... في غناء و كروم )

( و جوار عطرات ... و سماع و نعيم )

قلت : شعر المهدي أرق و ألطف من شعر أبيه و أولاده بكثير

و أسند الصولي عن ابن كريمة قال : دخل المهدي إلى حجرة جارية على غفلة فوجدها و قد نزعت ثيابها و أرادت لبس غيرها فلما رأته غطت بيدها فقصرت كفها عنه فضحك و قال :

( نظرت في القصر عيني ... نظرة وافق حيني )

ثم خرج فرأى بشارا فأخبره و قال : أجز فقال بشار :

( سترته إذا رأتني ... دونه بالراحتين )

( فبدا لي منه فضل ... تحت طي العكنتين )

و أسند عن إسحاق الموصلي قال : كان المهدي في أول أمره يحتجب عن الندماء تشبها بالمنصور نحوا من سنة ثم ظهر لهم فأشير عليه أن يحتجب فقال إنما اللذة مع مشاهدتهم

و أسند عن مهدي بن سابق قال : صاح رجل بالمهدي و هو في موكبه :

( قل للخليفة : حاتم لك خائن ... فخف الإله و أعفنا من حاتم )

( إن العفيف إذا استعان بخائن ... كان العفيف شريكه في المأثم )

فقال المهدي : يعزل كل عامل لنا يدعى حاتما

و أسند أبي عبيدة قال : كان المهدي يصلي بنا الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها فأقيمت الصلاة يوما فقال أعرابي : ليست طهر و قد رغبت في الصلاة خلفك فأمر هؤلاء بانتظاري فقال : انتظروه و دخل المحراب فوقف إلى أن قيل : قد جاء الرجل فكبر فعجب الناس من سماحة أخلاقه

و أسند عن إبراهيم بن نافع أن قوما من أهل البصرة تنازعوا إليه في نهر من أنهار البصرة فقال : إن الأرض لله في أيدينا للمسلمين فما لم يقع له ابتياع منها يعود ثمنه على كافتهم و في مصلحتهم فلا سبيل لأحد عليه فقال القوم : هذا النهر لنا بحكم رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه قال : [ من أحيا أرضا ميتة فهي له ] و هذه موات فوثب المهدي عند ذكر النبي صلى الله عليه و سلم حتى ألصق خده بالتراب و قال : سمعت لما قال وأطعت ثم عاد و قال : بقي أن تكون هذه الأرض مواتا حتى لا أعرض فيها و كيف تكون مواتا و الماء محيط بها من جوانبها ؟ فإن أقاموا البينة على هذا سلمت

و أسند عن الأصمعي قال : سمعت المهدي على منبر البصرة يقول : إن الله أمركم بأمر بدأفيه بنفسه و ثنى بملائكته فقال : {{ إن الله وملائكته يصلون على النبي }} آثره بها من بين الرسل إذا خصكم بها من بين الأمم

قلت : و هو أول من قال ذلك في الخطبة و قد استسنها الخطباء إلى اليوم

و لما مات قال أبو العتاهية و قد علقت المسوح على قباب حرمه :

( رحن في الموشى و أصبحن ... عليهن المسوح )

( كل نطاح من الدهر ... له يوم نطوح )

( لست بالباقي و لو عم ... رت ما عمر نوح )

( نح على نفسك يا مس ... كين إن كنت تنوح )

ذكر أحاديث من رواية المهدي

قال الصولي : حدثني أحمد بن محمد بن صالح التمار حدثنا يحيى بن محمد القريشي حدثنا أحمد بن هشام حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن مسلم المدائني ـ و هو ثقة صدوق ـ قال : سمعت المهدي يخطب فقال : حدثنا شعبة [ عن علي بن زيد بن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم خطبة من العصر إلى مغيربان الشمس حفظها من حفظها و نسيها من نسيها فقال : ألا إن الدنيا حلوة خضرة ] الحديث بطوله

و قال الصولي : حدثنا إسحاق بن إبراهيم القزاز حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد حدثني أبو يعقوب بن حفص الخطابي سمعت المهدي يقول : حدثني أبي عن أبيه [ عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أن وفدا من العجم قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ و قد أحفوا لحاهم و أعفوا شواربهم ـ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : خالفوهم أعفوا لحاكم و أحفوا شواربكم ] و إخفاء الشارب أخذ ما سقط على الشفة منه و وضع المهدي يده على أعلى شفته

و قال : منصور بن مزاحم و محمد بن يحيى بن حمزة عن يحيى بن حمزة قال : صلى بنا المهدي المغرب فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذا ؟

قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه و سلم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم فقلت للمهدي : نأثره عنك ؟ قال : نعم

قال الذهبي : هذا إسناد متصل لكن ما علمت أحدا احتج بالمهدي و لا بأبيه في الأحكام تفرد به محمد بن الوليد مولى بن هاشم و قال ابن عدي : كان يضع الحديث

قلت : لم ينفرد به بل وجدت له متابعا

مات في أيام المهدي من الأعلام : شعبة و ابن أبي ذئب و سفيان الثوري و إبراهيم بن أدهم الزاهد و داود الطائي الزاهد و بشار بن برد أول شعراء المحدثين و حماد بن سلمة و إبراهيم بن طهمان و الخليل بن أحمد صاحب العروض

الهادي موسى بن المهدي بن المنصور 169 هـ ـ 170 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

الهادي موسى بن المهدي بن المنصور 169 هـ ـ 170 ه

الهادي : أبو محمد موسى بن المهدي بن المنصور و أمه أم ولد بربرية اسمها الخيزران ولد بالري سنة سبع و أربعين و مائة و بويع بالخلافة بعد أبيه بعهد منه

قال الخطيب : و لم يل الخلافة قبله أحد في سنة فأقام فيها سنة و أشهرا و كان أبوه أوصاه يقتل الزنادقة فجد في أمرهم و قتل منهم خلقا كثيرا و كان يسمى موسى أطبق لأن شفته العليا كانت تقلص فكان أبوه وكل به في صغره خادما كلما رآه مفتوح الفم قال : موسى أطبق فيفيق على نفسه و يضم شفتيه فشهر بذلك

قال الذهبي : و كان يتناول المسكر و يلعب و يركب حمارا فارها و لا يقيم أبهة الخلافة و كان مع ذلك فصيحا قادرا على الكلام أديبا تعلوه هيبة و له سطوة و شهامة

و قال غيره : كان جبارا و هو أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة و الأعمدة و القسي الموترة فاتبعه عماله به في ذلك و كثر السلاح في عصره

مات في ربيع الأخر سنة سبعين و مائة و اختلف في سبب موته فقيل : إنه دفع نديما له من جرف على أصول قصب قد قطع فتعلق النديم به فوقع فدخلت قصبة في منخره فماتا جميعا و قيل : أصابته قرحة في جوفه و قيل : سمته أمه خيزران لما عزم على قتل الرشيد ليعهد إلى ولده و قيل : كانت أمه حاكمة مستبدة بالأمور الكبار و كانت المواكب تغدو إلى بابها فزجرهم عن ذلك و كلهما بكلام وقح و قال : لئن وقف ببابك أمير لأضربن عنقه ! أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو سبحة ؟ فقامت ما تعقل من الغضب فقيل : إنه بعث إليها بطعام مسموم فأطعمت منه كلبا فانتثر فعملت على قتله لما وعك بأن غموا وجهه ببساط جلسوا على جوانبه و خلف سبعة بنين

و من شعر الهادي في أخيه هارون لما امتنع من خلع نفسه :

( نصحت لهارون فرد نصحتي ... و كل امرئ لا يقبل النصح نادم )

( و أدعوه للأمر المؤلف بيننا ... فيبعد عنه و هو في ذاك ظالم )

( و لولا انتظاري منه يوما إلى غد ... لعاد إلى ما قلته و هو راغم )

و من أخبار الهادي : أخرج الخطيب عن الفضل قال : غضب الهادي على رجل فكلم فيه فرضي فذهب يعتذر فقال له الهادي : إن الرضا قد كفاك مؤنة الاعتذار

و أخرج عن عبد الله بن مصعب قال : دخل مروان بن أبي حفصة على الهادي فأنشده مديحا له حتى إذا بلغ قوله :

( تشابه يوما بأسه و نواله ... فما أحد يدري لأيهما الفضل )

فقال له الهادي : أيما أحب إليك ثلاثون ألف معجلة أو مائة ألف تدور في الديوان ؟ قال : تعجل الثلاثون ألفا و تدور المائة ألفا قال : بل تعجلان لك جميعا فحمل له ذلك

و قال الصولي : لا تعرف امرأة ولدت خليفتين إلا الخيزران أم الهادي و الرشيد و ولادة بنت العباس العبسية زوج عبد الملك بن مروان ولدت الوليد و سليمان و شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد بن كسرى ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد الناقص و إبراهيم و وليا الخلافة قلت : يزاد على ذلك باي خاتون سرية المتوكل الأخير ولدت العباس و حمزة و وليا لاخلافة و كزل سريته أيضا ولدت داود و سليمان و ولياها

ثم قال الصولي : لا يعرف خليفة ركب البريد إلا الهادي من جرجان إلى بغداد

قال : و كان نقش خاتمه [ الله ثقة موسى وبه يؤمن ]

قال الصولي : و لسلم الخاسر في الهادي بمدحه :

( موسى المطر ... غيث بكر )

( ثم انهمر ... ألوى المرر )

( كم اعتسر ... و كم قدر )

( ثم غفر ... عدل السير )

( باقي الأثر ... خير و شر )

( نفع و ضر ... خير البشر )

( فرع مضر ... بدر بدر )

( لمن نظر ... هو الوزر )

( لمن حضر و المف ... تخر لمن غبر )

قال : و هذا على جزء جزء مستفعلن مستفعلن و هو أول من عمله و لم نسمع من قبله شعرا على جزء جزء

و أسند الصولي عن سعيد بن سلم قال : إني لأرجو أن يغفر الله للهادي بشيء رأيته منه : حضرته يوما و أبو الخطاب السعدي ينشده قصيدة في مدحه إلى أن قال :

( يا خير من عقدت كفاه حجزته ... و خير من قلدته أمرها مضر )

فقال له الهادي : إلا من ويلك ؟ قال سعيد : و لم يكن استثنى في شعره فقلت : يا أمير المؤمنين إنما يعني من أهل هذا الزمان ففكر الشاعر فقال :

( إلا النبي رسول الله ... إن له فضلا و أنت بذالك الفضل تفتخر )

فقال : الآن أصبت و أحسنت و أمر له بخمسين ألف درهم

و قال المدائني : عزى الهادي رجلا في ابن له فقال : سرك و هو فتنة و بلية و يحزنك و هو ثواب و رحمة

و قال الصولي : قال سلم الخاسر في الهادي جامعا بين العزاء و الهناء :

( لقد قام موسى بالخلافة و الهدى ... و مات أمير المؤمنين محمد )

( فمات الذي غم البرية فقده ... و قام الذي يكفيك من يتفقد )

و قال مروان بن أبي حفصة كذلك :

( لقد أصبحت تختال في كل بلدة ... بقبر أمير المؤمنين المقابر )

( و لو لم تسكن بابنه بعد موته ... لما برحت تبكي عليه المنابر )

( و لو لم يقم موسى عليها لرجعت ... حنينا كم حن الصفايا العشائر )

حديث من رواية الهادي

قال الصولي : حدثني محمد بن زكريا هو الغلابي حدثني محمد بن عبد الرحمن المكي حدثنا قسورة بن السكن الفهري حدثنا المطلب بن عكاشة المري قال : قدمنا على الهادي شهودا على رجل شتم قريشا و تخطى إلى ذكر النبي صلى الله عليه و سلم فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء زمانه و أحضر الرجل فشهدنا عليه فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه فقال : سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه محمد عن أبيه علي عن أبيه عبد الله بن عباس قال : من أراد هوان قريش أهانه الله و أنت يا عدو الله لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتى تخطيت إلى ذكر النبي صلى الله عليه و سلم اضربوا عنقه أخرجه الخطيب من طريق الصولي و الحديث هكذا في هذه الرواية موقوف و قد ورد مرفوعا من وجه آخر

مات في أيام الهادي من الأعلام : نافع قارئ أهل المدينة و غيره

الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور 170هـ ـ 193 هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور 170هـ ـ 193 ه

الرشيد : هارون أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد علي بن عبد الله بن العباس استخلف بعهده من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين و مائة

قال الصولي : هذه الليلة ولد له فيها عبد الله المأمون و لم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة و قام خليفة و ولد خليفة إلا هذه الليلة و كان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر حدث عن أبيه و جده و مبارك بن فضالة و روى عنه ابنه المأمون و غيره و كان من أميز الخلفاء و أجل ملوك الدنيا و كان كثير الغزو و الحج كما قال فيه أبو المعالي الكلابي :

( فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور )

( ففي أرض العدو على طمر ... و في أرض الترفه فوق كور )

مولده بالري ـ حين كان أبوه أميرا عليها و على خراسان ـ و في سنة ثمان و أربعين و مائة

و أمه أم ولد تسمى الخيزران و هي أم الهادي و فيها يقول مروان بن أبي حفصة :

( يا خيزران هناك ثم هناك ... أمسى يسوس العالمين ابناك )

و كان أبيض طويلا جميلا مليحا فصيحا له نظر في العلم و الأدب

و كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة و يتصدق من صلب ماله يوم بألف درهم

و كان يحب العلم و أهله و يعظم حرمات الإسلام و يبغض المراء في الدين و الكلام في معارضة النص

و بلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال لئن ظفرت به لأضربن عنقه

و كان يبكي على نفسه و على إسرافه و ذنوبه سيما إذا وعظ و كان يحب المديح و يجيز عليه الأموال الجزيلة و له شعر

دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ في احترامه فقال له ابن السماك : تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه

و كان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض

قال عبد الرزاق : كنت مع الفضل بمكة فمر هارون فقال فضيل : الناس يكرهون هذا و ما في الأرض أعز علي منه لو مات لرأيت أمورا عظاما

قال أبو معاوية الضرير : ما ذكرت النبي صلى الله عليه و سلم بين يدي الرشيد إلا قال : صلى الله على سيدي و حدثته بحديثه صلى الله عليه و سلم [ و وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيى فأقتل ] فبكى حتى انتحب

و حدثته يوما حديث [ احتج آدم و موسى ] و عنده رجل من وجوه قريش فقال القريشي : فأين لقيه ؟ فغضب الرشيد و قال : النطع و السيف زنديق يطعن في حديث النبي صلى الله عليه و سلم

قال أبو معاوية : فما زلت أسكنه أقول : يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة حتى سكن

و عن أبي معاوية أيضا قال : أكلت مع الرشيد يوما ثم صب على يدي رجل لا أعرفه ثم قال الرشيد : تدري من يصب عليك ؟ قلت : لا قال : أنا إجلالا للعلم

و قال المنصور بن عمار : ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة : الفضيل بن عياض و الرشيد و آخر

و قال عبيد الله القواريري : لما لقي الرشيد الفضيل قال له : يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة حدثنا ليث عن مجاهد {{ وتقطعت بهم الأسباب }} قال : الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكي و يشهق

و من محاسنه أنه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء و أمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك

قال نفطويه : كان الرشيد يقتفي آثار جده أبي جعفر إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه : أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف و أجاز إسحاق الموصلي مرة بمائتي ألف و أجاز مروان بن أبي حفصة مرة على قصيدة خمسة آلاف دينار و خلعة و فرسا من مراكبه و عشرة من رقيق الروم

و قال الأصمعي : قال لي الرشيد : يا أصمعي ما أغفلك عنا و أجفاك لنا ! قلت : و الله يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك فسكت فلما تفرق الناس قال : ما لاقتني ؟ قلت :

( كفاك كف ما تليق درهما ... جوادا و أخرى تعطي بالسيف الدما )

فقال : أحسنت و هكذا فكن و قرنا في الملا و علمنا في الخلا و أمر لي بخمسة آلاف دينار

و في مروج المسعودي قال : رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم و بحر القزم مما يلي الفرما فقال له يحيى بن خالد البرمكي : كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام و تدخل مراكبهم إلى الحجاز فتركه

و قال الجاحظ : اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره : وزراؤه البرامكة و قاضيه أبو يوسف رحمه الله و شاعره مروان بن أبي حفصة و نديمه العباس بن محمد عم أبيه و حاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس و أعظمهم و مغنيه إبراهيم الموصلي و زوجته زبيدة

و قال غيره : كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعراس

و قال الذهبي : أخبار الرشيد يطول شرحها و محاسنه جمة و له أخبار في اللهو و اللذات المحظورة و الغناء سامحه الله

مات في أيامه من الأعلام : مالك بن أنس و الليث بن سعد و أبو يوسف صاحب أبي حنيفة و القاسم بن معن و مسلم بن خالد الزنجي و نوح الجامع و الحافظ أبو عوانة اليشكري و إبراهيم بن سعد الزهري و أبو اسحاق الفزاري و إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي و أسد الكوفي من كبار أصحاب أبي حنيفة و إسماعيل بن عياش و بشر بن المفضل و جرير بن عبد الحميد و زياد البكائي و سليم المقرئ صاحب حمزة و سيبويه إمام العربية و ضيغم الزاهد و عبد الله العمري الزاهد و عبد الله بن المبارك و عبد الله بن إدريس الكوفي و عبد العزيز بن أبي حازم و الدراوردي و الكسائي شيخ القراء و النحاة و محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ـ كلاهما في يوم و علي بن مسهر و غنجار و عيسى بن يوسف السبعي و الفضيل بن عياض و ابن السماك الواعظ و مروان بن أبي حفصة الشاعر و المعافى بن عمران الموصلي و معتمر بن سليمان و المفضل بن فضالة قاضي مصر و موسى بن ربيعة أبو الحكم المصري أحد الأولياء و النعمان بن عبد السلام الأصبهاني و هشيم و يحيى بن أبي زائدة و يزيد بن زريع و يونس بن حبيب النحوي و يعقوب بن عبد الرحمن قارئ المدينة و صعصة بن سلام عالم الأندلس أحد أصحاب مالك و عبد الرحمن بن القاسم أكبر أصحاب مالك و العباس بن الأحنف الشاعر المشهور و أبو بكر بن عياش المقري و يوسف بن الماجشون و خلائق آخرون كبار

و من الحوادث في أيامه : في سنة خمس و سبعين افترى عبد الله بن مصعب الزبيري على يحيى بن عبد الله بن حسن العلوي أنه طلب إليه أن يخرج معه على الرشيد فباهله يحيى بحضرة الرشيد و شبك يده في يده و قال قل : اللهم إن كنت تعلم أن يحيى لم يدعني إلى الخلافة و الخروج على أمير المؤمنين هذا فكلني إلى حولي و قوتي و اسحتني بعذاب من عندك آمين رب العالمين فتلجلج الزبيري و قالها ثم قال يحيى مثل ذلك و قاما فمات الزبيري ليومه

و في سنة ست و سبعين فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك ابن صالح العباسي

و في سنة تسع و سبعين اعتمر الرشيد في رمضان و دام على إحرامه إلى أن حج و مشى من مكة إلى عرفات

و في سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى سقط منها رأس منارة الإسكندرية

و في سنة إحدى و ثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة و هو الفاتح له

و في سنة ثلاث و ثمانين خرج الخزر على أرمينية فأوقعوا بأهل الإسلام و سفكوا و سبوا أزيد من مائة ألف نسمة و جرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله

و في سنة سبع و ثمانين أتاه كتاب من ملك الروم [ نقفور ] بنقص الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين و بين الملكة [ ريني ] ملكة الروم

و صورة الكتاب : من [ نقفور ] ملك الروم إلى [ هارون ] ملك العرب : أما بعد : فإن الملكة التي قبلي كانت أقامتك مقام الرخ و أقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها أحمالا و ذلك لضعف النساء و حمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها و إلا فالسيف بيننا و بينك فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضبا حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه و تفرق جلساؤه من الخوف و استعجم الرأي على الوزير فدعا الرشيد بدواة و كتب على ظهر كتابه :

[ بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك ياابن الكافرة و الجواب ما تراه لا ما تسمعه ]

ثم سار ليومه فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل و كانت غزوة مشهورة و فتحا مبينا فطلب نقفور الموادعة و التزم بخراج يحمله كل سنة فأجيب فلما رجع الرشيد إلى الرقة نقض الكلب العهد لإياسه من كره الرشيد في البرد فلم يجترئ أحد أن يبلغ الرشيد نقضه بل قال عبد الله بن يوسف التيمي :

( نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور )

( أبشر أمير المؤمنين فإنه ... غنم أتاك به الإله كبير )

و قال أبو العتاهية أبياتا و عرضت على الرشيد فقال : أوقد فعلها ؟ فكر راجعا في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى بلغ مراده و حاز جهاده

و في ذلك يقول أبو العتاهية :

( ألا نادت هرقلة بالخراب ... من الملك الموفق للصواب )

( غدا هارون يرعد بالمنايا ... و يبرق بالمذكرة القضاب )

( و رايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب )

و في سنة تسع و ثمانين فادى الروم حتى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم

و في سنة تسعين فتح هرقلة و بث جيوشه بأرض الروم فافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة و افتتح يزيد بن مخلد ملقونية و سار حميد بن معيوف إلى قبرس فهدم و حرق و سبى من أهلها ستة عشر ألفا

و في سنة اثنتين و تسعين توجه الرشيد نحو خراسان فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال : يا صباح لا أحسبك تراني بعدها فقلت : بل يردك الله سالما ثم قال : و لا أحسبك تدري ما أجد فقلت : لا و الله فقال : تعال حتى أريك و انحرف عن الطريق و أومأ إلى الخواص فتنحوا ثم قال : أمانة الله يا صباح أن تكتم علي و كشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالي بطنه فقال : هذه علة أكتمها الناس كلهم و لكل واحد من ولدي علي رقيب فمسرور رقيب المأمون و جبريل بن بختيشوع رقيب الأمين و نسيت الثالث ما منهم أحد إلا و يحصي أنفاسي و يعد أيامي و يستطيل دهري فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي ثم دعا ببرذون فجاؤوا به كما وصف فنظر إلي ثم ركبه وودعني و سار إلى جرجان ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث و تسعين و هو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن مات

و كان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس و سبعين و لقبه الأمين و له يومئذ خمس سنين لحرص أمه زبيدة على ذلك قال الذهبي : فكان هذا أول وهن جرى في دولة الإسلام من حيث الإمامة ثم بايع لابنه عبد الله من بعد الأمين في سنة اثنتين و ثمانين و لقبه المأمون و ولاه ممالك خراسان بأسرها ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ست و ثمانين و لقبه المؤتمن و ولاه الجزيرة و الثغور و هو صبي فلما قسم الدنيا من هؤلاء الثلاثة قال بعض العقلاء : لقد ألقى بأسهم بينهم و غائلة ذلك تضر بالرعية و قالت الشعراء في البيعة المدائح ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق و في ذلك يقول إبراهيم الموصلي :

( خير الأمور مغبة ... و أحق أمر بالتمام )

( أمر قضى أحكامه ال ... رحمن في البيت الحرام )

و قال عبد الملك بن صالح في ذلك :

( حب الخليفة حب لا يدين له ... عاصي الإله و شار يلقح الفتنا )

( الله قلد هارونا سياسته ... لما اصطفاه فأحيا الدين و السننا )

( و قلد الأرض هارون لرأفته ... بنا أمينا و مأمونا و مؤتمنا )

قال بعضهم : و قد زوى الرشيد الخلافة عن ولده المعتصم لكونه أميا فساقها الله إليه و جعل الخلفاء بعده كلهم من ذريته و لم يجعل من نسل غيره من أولاد الرشيد خليفة و قال سلم الخاسر في العهد للأمين :

( قل للمنازل بالكثيب الأعفر ... أسقيت غادية السحاب الممطر )

( قد بايع الثقلان مهدي الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر )

( قد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخلافة للهجان الأزهر )

( فهو الخليفة عن أبيه و جده ... شهدا عليه بمنظر و بمخبر )

فحشت زبيدة فاه جوهرا باعه بعشرين ألف دينار

فصل في نبذ من أخبار الرشيد عفا الله عنه

أخرج السلفي في الطيوريات بسنده عن ابن المبارك قال : لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي فراودها عن نفسها فقالت : لا أصلح لك إن أباك قد طاف بي فشغف بها فأرسل إلى أبي يوسف فسأله : أعندك في هذا شيء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئا ينبغي أن تصدق لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة قال ابن المبارك : فلم أدر ممن أعجب : من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين و أموالهم يتحرج عن حرمة أبيه أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين أو من هذا فقيه الأرض و قاضيها ! قال : اهتك حرمة أبيك و اقض شهوتك و صيره في رقبتي

و أخرج أيضا عن عبد الله بن يوسف قال : قال الرشيد لأبي يوسف : إني اشتريت جارية و أريد أن أطأها الآن قبل الاستبراء فهل عندك حيلة ؟ قال : نعم تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها

و أخرج عن ابن إسحاق بن راهوية قال : دعا الرشيد أبا يوسف ليلا فأفتاه فأمر له بمائة ألف درهم فقال أبو يوسف : إن رأى أمير المؤمنين أمر بتعجيلها قبل الصبح فقال : عجلوها فقال بعض من عنده : إن الخازن في بيته و الأبواب مغلقة فقال أبو يوسف : فقد كانت الأبواب مغلقة حين دعاني ففتحت

و أسند الصولي [ عن يعقوب بن جعفر قال : خرج الرشيد في السنة التي ولي الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم و انصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة و فرق بالحرمين مالا كثيرا و كان رأى النبي صلى الله عليه و سلم في النوم فقال له : إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز و حج و وسع على أهل الحرمين ] ففعل هذا كله و أسند عن معاوية بن صالح عن أبيه قال : أول شعر قاله الرشيد أنه حج سنة ولي الخلافة فدخل دارا فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط :

( ألا يا أمير المؤمنين أما ترى ... فديتك هجران الحبيب كبيرا )

فدعا بدواة و كتب تحته بخطه :

( بلى و الهدايا المشعرات و ما مشى ... بمكة مرفوع الأظل حسيرا )

و أخرج عن سعيد بن مسلم قال : كان فهم الرشيد فهم العلماء أنشده العماني في صفة فرس :

( كأن أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلما محرفا )

فقال الرشيد : دع كأن و قل : تخال أذنيه حتى يستوي الشعر

و أخرج عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال : حلف الرشيد أن لا يدخل إلى جارية له أياما و كان يحبها فمضت الأيام و لم تسترضه فقال :

( صد عني إذ رآني مفتتن ... و أطال الصبر لما أن فطن )

( كان مملوكي فأضحى مالكي ... إن هذا من أعاجيب الزمن )

ثم أحضر أبو العتاهية فقال : أجزهما فقال :

( عزة الحب أرته ذلتي ... في هواه و له وجه حسن )

( فلهذا صرت مملوكا له ... و لهذا شاع ما بي و علن )

و أخرج ابن عساكر عن ابن علية قال : أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق : لم تضرب عنقي ؟ قال له : أريح العباد منك قال : فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه و سلم كلها ما فيها حرف نطق به ؟ قال فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري و عبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا ؟

و أخرج الصولي عن ابن إسحاق الهاشمي قال : كنا عند الرشيد فقال : بلغني أن العامة يظنون في بغض علي بن أبي طالب و و الله ما أحب أحدا حبي له و لكن هؤلاء أشد الناس بغضا لنا و طعنا علينا و سعيا في فساد ملكنا بعد أخذنا بثأرهم و مساهمتنا إياهم ما حويناه حتى إنهم لأميل إلى بني أمية منهم إلينا فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل و السابقون إلى الفضل و لقد حدثني [ أبي المهدي عن أبيه المنصور عن محمد بن علي عن أبيه ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول في الحسن و الحسين : من أحبهما فقد أحبني و من أبغضهما فقد أبغضني ] وسمعه يقول : [ فاطمة سيدة نساء العالمين غير مريم ابنة عمران و آسية بنت مزاحم ]

روي أن ابن السماك دخل على الرشيد يوما فاستقى فأتى بكوز فلما أخذه قال : على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها ؟ قال : بنصف ملكي قال : اشرب هنأك الله تعالى قال : أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها ؟ قال : بجميع ملكي قال : إن ملكا قيمته شربة ماء و بولة لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون بكاء شديدا

و قال ابن الجوزي قال الرشيد لشيبان : عظني قال : لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد : فسر لي هذا قال : من يقول لك : أنت مسؤول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول : أنتم أهل بيت مغفور لكم و أنتم قرابة نبيكم صلى الله عليه و سلم فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله و في كتاب الأوراق للصولي بسنده : لما ولي الرشيد الخلافة و استوزر يحيى بن خالد قال إبراهيم الموصلي :

( ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها )

( تلبست الدنيا جمالا بملكه ... فهارون واليها و يحيى وزيرها )

فأعطاه مائة ألف درهم و أعطاه يحيى خمسين ألفا

و لداود بن رزين الواسطي فيه :

( بهارون لاح النور في كل بلدة ... و قام به في عدل سيرته النهج )

( إمام بذات الله أصبح شغله ... فأكثر ما يعنى به الغزو و الحج )

( تضيق عيون الخلق عن نور وجهه ... إذا ما بدا للناس منظره البلج )

( تفسحت الآمال في جود كفه ... فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو )

و قال القاضي الفاضل في بعض رسائله : ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين و المأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله قال : و كان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين قال : ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية فسمعه على ابن طاهر بن عوف و لا أعلم لهما ثالثا

و لمنصور النمري فيه :

( جعل القران إمامه و دليله ... لما تخيره القران ذماما )

و له فيه من قصيدة :

( إن المكارم و المعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع )

و يقال : إنه أجازه عليها بمائة ألف

و قال الحسين بن فهم : كان الرشيد يقول : من أحب ما مدحت به إلي :

( أبو أمين و مأمون و مؤتمن ... أكرم به والدا برا و ما ولدا )

و قال إسحاق الموصلي : دخلت على الرشيد فأنشدته :

( و آمرة بالبخل قلت لها : اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل )

( أرى الناس خلان الجواد و لا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل )

( و إني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال : بخيل )

( و من خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئا أن يكون ينيل )

( عطائي عطاء المكثرين تكرما ... و مالي كما قد تعلمين قليل )

( و كيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... و رأي أمير المؤمنين جميل )

فقال : لا كيف إن شاء الله يا فضل أعطه مائة ألف درهم لله در أبيات يأتينا بها ! ما أجود أصولها و أحسن فصولها ! فقلت : يا أمير المؤمنين كلامك أحسن من شعري فقال : يا فضل أعطه مائة ألف أخرى

و في الطوريات بسنده إلى إسحاق الموصلي قال أبو العتاهية لأبي نواس : البيت الذي مدحت به الرشيد لوددت أني كنت سبقتك به إليه :

( قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله )

و قال محمد بن علي الخراساني : الرشيد أول خليفة لعب بالصوالجة و الكرة و رمى النشاب في البرجاس و أول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس

و قال الصولي : هو أول من جعل للمغنين مراتب و طبقات

و من شعر الرشيد يرثي جاريته هيلانة أورده الصولي :

( قاسيت أوجاعا و أخزانا ... لما استخص الموت هيلانا )

( فارقت عيشي حين فارقتها ... فما أبالي كيف ما كانا )

( كانت هي الدنيا فلما ثوت ... في قبرها فارقت دنيانا )

( قد كثر الناس و لكنني ... لست أرى بعدك إنسانا )

( و الله لا أنساك ما حركت ... ريح بأعلى نجد أغصانا )

و له أيضا أنشده الصولي :

( يا ربة المنزل بالفرك ... و ربة السلطان و الملك )

( ترفقي بالله في قتلنا ... لسنا من الديلم و الترك )

مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان و دفن بها في ثالث جمادى الآخرة سنة ثلاث و تسعين و مائة و له خمس و أربعون سنة و صلى عليه ابنه صالح

قال الصولي : خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار و من الأثاث و الجوهر و الورق و الدواب ما قيمته مائة ألف ألف دينار و خمسة و عشرون ألف دينار

و قال غيره : غلط جبريل بن بختيشوع على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته فهم أن يفصل أعضاءه فقال : انظرني إلى غد فإنك تصبح في عافية فمات ذلك اليوم

و قيل : إن الرشيد رأى مناما أنه يموت بطوس فبكى و قال : احفروا لي قبرا فحفر له ثم حمل في قبة على جمل و سيق به حتى نظر إلى القبر فقال : ياابن آدم تصير إلى هذا ؟ و أمر قوما فنزلوا فختموا فيه ختمة و هو في محفة على شفير القبر و لما مات بويع لولده الأمين في المعسكر ـ و هو حينئذ ببغداد ـ فأتاه الخبر فصلى بالناس الجمعة و خطب و نعى الرشيد إلى الناس و بايعوه و أخذ رجاء الخادم البرد و القضيب و الخاتم و سار على البريد في اثني عشر يوما من مرو حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة فدفع ذلك إلى الأمين و لأبي الشيص يرثي الرشيد :

( غربت في الشرق شمس ... فلها عيني تدمع )

( ما رأينا قط شمسا ... غربت من حيث تطلع )

و قال أبو نواس جامعا بين العزاء و الهناء :

( جرت جوار بالسعد و النحس ... فنحن في مأتم و في عرس )

( القلب يبكي و العين ضاحكة ... فنحن في وحشة و في أنس )

( يضحكنا القائم الأمين و يب ... كينا وفاة الإمام بالأمس )

( بدران بدر أضحى ببغداد في ال ... خلد و بدر بطوس في الرمس )

و مما رواه الرشيد من الحديث قال الصولي : [ حدثنا عبد الرحمن بن خلف حدثني جدي الحصين بن سليمان الضبي سمعت الرشيد يخطب فقال في خطبته : حدثني مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اتقوا النار و لو بشق تمرة ] حدثني محمد بن علي [ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال النبي صلى الله عليه و سلم نظفوا أفواهكم فإنها طريق القرآن ]

تجديد البيعة للمنصور ثم ولده المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تجديد البيعة للمنصور ثم ولده المهدي.
151 - 768 م
جدد المنصور البيعة لنفسه ثم لولده المهدي من بعده، ولعيسى بن موسى من بعدهما، وجاء الأمراء والخواص فبايعوا وجعلوا يقبلون يد المنصور ويد ابنه ويلمسون يد عيسى بن موسى ولا يقبلونها.

محمد المهدي يتولى الخلافة العباسية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

محمد المهدي يتولى الخلافة العباسية.
158 ذو الحجة - 775 م
قد كان المنصور عهد بالخلافة لولده المهدي من بعده بعد أن اضطر عيسى بن موسى إلى خلع نفسه من ولاية العهد فلما توفي المنصور في الحج كتم أمره في الأول حتى أخذت البيعة لابنه المهدي حتى بويع له بين الركن والمقام فيما قيل فتولى أمور الخلافة بعد موت والده، عرف بسماحته وكرمه ورده للمظالم.

المهدي يوسع لمسجد الحرام والمسجد النبوي ويلغي نسب آل زياد بمعاوية بن أبي سفيان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المهدي يوسع لمسجد الحرام والمسجد النبوي ويلغي نسب آل زياد بمعاوية بن أبي سفيان.
160 - 776 م
في هذه السنة قام المهدي بتوسيع المسجد الحرام وكذلك المسجد النبوي أما إلغاء نسب آل زياد الذي كان معاوية قد استلحقه وكان يقال له زياد بن أبيه هو أن رجلاً من آل زياد قدم عليه يقال له الصغدي بن سلم بن حرب بن زياد، فقال له المهدي: من أنت؟ فقال: ابن عمك. فقال: أي بني عمي أنت؟ فذكر نسبه، فقال المهدي: يا ابن سمية الزانية! متى كنت ابن عمي؟ وغضب وأمر به، فوجئ في عنقه وأخرج، وسأل عن استلحاق زياد، ثم كتب إلى العامل بالبصرة بإخراج آل زياد من ديوان قريش والعرب، وردهم إلى ثقيف، وكتب في ذلك كتاباً بالغاً، يذكر فيه استلحاق زياد، ومخالفة حكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيه، فأسقطوا من ديوان قريش، ثم إنهم بعد ذلك رشوا العمال، حتى ردوهم إلى ما كانوا عليه

أمر المهدي بعمل المصانع وبناء القصور في طريق مكة وقصر المنابر إلى قدر منبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

أمر المهدي بعمل المصانع وبناء القصور في طريق مكة وقصر المنابر إلى قدر منبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
161 - 777 م
أمر المهدي ببناء القصور في طريق مكة وأمر بتوسيع القصور التي كان بناها السفاح كما قام بتجديد الأميال والبرك ومصانع المياه وحفر الركايا كل ذلك تسهيلا للمسافرين في طرقهم، كما أمر أن تقصر كل المنابر إلى قدر منبر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يزاد على ذلك.

المهدي يغزو الروم بقيادة ابنه هارون الرشيد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المهدي يغزو الروم بقيادة ابنه هارون الرشيد.
163 - 779 م
تجهز المهدي لغزو الروم، فخرج وعسكر بالبردان، وجمع الأجناد من خراسان وغيرها، وسار عنها، وكان قد توفي عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس في جمادى الآخرة، وسار المهدي من الغد، واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادي، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد، وسار على الموصل والجزيرة، وعزل عنها عبد الصمد بن علي في مسيره ذلك. ولما حاذى قصر مسلمة بن عبد الملك قال العباس بن محمد بن علي للمهدي: إن لمسلمة في أعناقنا منة، كان محمد بن علي مر به، فأعطاه أربعة آلاف دينار، وقال له: إذا نفدت فلا تحتشمنا! فأحضر المهدي ولد مسلمة ومواليه، وأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأجرى عليهم الأرزاق، وعبر الفرات إلى حلب، وأرسل، وهو بحلب، فجمع من بتلك الناحية من الزنادقة، فجمعوا، فقتلهم، وقطع كتبهم بالسكاكين، وسار عنها مشيعاً لابنه هارون الرشيد، حتى جاز الدرب وبلغ جيحان، فسار هارون، ومعه عيسى بن موسى، وعبد الملك بن صالح، والربيع، والحسن بن قحطبة، والحسن وسليمان ابنا برمك، ويحيى بن خالد بن برمك، وكان إليه أمر العسكر، والنفقات، والكتابة وغير ذلك، فساروا فنزلوا على حصن سمالوا، فحصره هارون ثمانية وثلاثين يوماً ونصب عليه المجانيق، ففتحه الله عليهم بالأمان، ووفى لهم، وفتحوا فتوحاً كثيرة

أخذ المهدي البيعة لولده هارون من بعد موسى الهادي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

أخذ المهدي البيعة لولده هارون من بعد موسى الهادي.
166 - 782 م
في هذه السنة أخذ المهدي البيعة لابنه هارون ولقب بالرشيد من بعد موسى الهادي

تتبع المهدي جماعة من الزنادقة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تتبع المهدي جماعة من الزنادقة.
167 - 783 م
جد المهدي في تتبع الزنادقة فقتل عددا كبيرا صبرا، منهم الشاعر بشار بن برد وكان المتولي أمر الزنادقة عمر الكلواذي.

اتخاذ المهدي دواوين الأزمة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اتخاذ المهدي دواوين الأزمة.
168 - 784 م
كان ديوان الأزمة - واحدها الزمام - من أهم دواوين الدولة - ويشبه ديوان المحاسبة اليوم - وكانت مهنة صاحب هذا الديوان جمع ضرائب بلاد العراق أغنى أقاليم الدولة العباسية وتقديم حساب الضرائب في الأقاليم الأخرى. ومن اختصاصاته أيضا جمع الضرائب النوعية المسماة بالمعادن وكانت تجمع لرجل يضبطها بزمام يكون له على كل ديوان - وقد جمعها عمر بن بزيع - فيتخذ دواوين الأزمة ويولي على كل منها رجلا.

موسى الهادي يتولى الخلافة العباسية بعد وفاة أبيه المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

موسى الهادي يتولى الخلافة العباسية بعد وفاة أبيه المهدي.
169 محرم - 785 م
كان المهدي قد خرج إلى ماسبذان، وسبب خروجه إليها أنه قد عزم على خلع ابنه موسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد وتقديمه على الهادي، فبعث إليه فلم يأت فخرج هو إليه فمات في الطريق قيل بسبب إصابة في ظهره وهو يلحق الصيد وقيل بل مات مسموما وكان موته في المحرم لثمان بقين منه، وكانت خلافته عشر سنين وشهراً؛ ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها وصلى عليه ابنه الرشيد، وبويع لابنه موسى الهادي في اليوم الذي مات فيه المهدي، وهومقيم بجرجان، يحارب أهل طبرستان.

مبايعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مبايعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي.
201 ذو الحجة - 817 م
لما جاء الخبر أن المأمون بايع لعلي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد بن الحسين بالولاية من بعده وذلك أن المأمون رأى أن عليا الرضى خير أهل البيت وليس في بني العباس مثله في علمه ودينه، فجعله ولي عهده من بعده اختلفوا فيما بينهم، فمن مجيب مبايع، ومن آب ممانع، وجمهور العباسيين على الامتناع من ذلك، وقام في ذلك ابنا المهدي إبراهيم ومنصور، فلما كان يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة أظهر العباسيون البيعة لإبراهيم بن المهدي ولقبوه المبارك - وكان أسود اللون - ومن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي، وخلعوا المأمون. فلما كان يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة أرادوا أن يدعوا للمأمون ثم من بعده لإبراهيم فقالت العامة: لا تدعوا إلا إلى إبراهيم فقط، واختلفوا واضطربوا فيما بينهم، ولم يصلوا الجمعة، وصلى الناس فرادى أربع ركعات.

مبايعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مبايعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي.
202 محرم - 817 م
بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي بالخلافة، ولقبوه المبارك، وكانت بيعته أول يوم من المحرم، وقيل خامسه، وخلعوا المأمون، وبايعه سائر بني هاشم، فكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبدالله بن مالك، فكان الذي سعى في هذا الأمر السندي، وصالح صاحب المصلى، ونصير الوصيف، وغيرهم، غضباً على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس، ولتركه لباس آبائه من السواد. فلما فرغ من البيعة وعد الجند رزق ستة أشهر، ودافعهم بها فشغبوا عليه، فأعطاهم لكل رجل مائتي درهم، وكتب لبعضهم إلى السواد بقية مالهم حنطة وشعير فخرجوا في قبضها فانتهبوا الجميع، وأخذوا نصيب السلطان وأهل السواد، واستولى إبراهيم على الكوفة والسواد جميعه، وعسكر بالمدائن، واستعمل على الجانب الغربي من بغداد العباس بن موسى الهادي وعلى الجانب الشرقي منها إسحاق بن موسى الهادي.

خلع أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي.
203 - 818 م
كان سبب ذلك أن إبراهيم قبض على عيسى بن محمد بن أبي خالد وحبسه وأخذ عدة من قواده وأهله، فحبسهم ونجا بعضهم، وفيمن نجا خليفته العباس، ومشى بعض أهله إلى بعض، وحرضوا الناس على إبراهيم، وكان أشدهم العباس خليفة عيسى، وكان هورأسهم، فاجتمعوأن وطردوا عامل إبراهيم على الجسر، والكرخ وغيره، وظهر الفساق والشطار، وكتب العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم حتى يسلموا إليه بغداد، فقدم عليهم، وسار حتى أتى نهر صرصر فنزل عنده. وخرج إليه العباس وقواد أهل بغداد، فلقوه، ووعدهم أن يصنع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية على أن يدعو للمأمون بالخلافة يوم الجمعة، ويخلعوا إبراهيم، فأجابوه إلى ذلك. ولما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى ومن معه من إخوته من الحبس، وسأله أن يرجع إلى منزله، ويكفيه أمر هذا الجانب، فأبى عليه. ثم بعد ذلك رضي فخلى سبيله، وأخذ منه كفلاء، وكلم عيسى الجند، ووعدهم أن يعطيهم مثل ما أعطاهم حميد، فأبوا ذلك، وشتموه وأصحابه، وقالوا: لا نريد إبراهيم، فقاتلهم ساعة، ثم ألقى نفسه في وسطهم، حتى أخذوه شبه الأسير، فأخذه بعض قواده، فأتى به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم، فأخبروه الخبر، فاغتم لذلك. ثم اختفى إبراهيم بن المهدي؛ وكان سبب ذلك أن أصحاب إبراهيم وقواده تسللوا إلى حميد فصار عامتهم عنده، وأخذوا له المدائن. فلما رأى إبراهيم فعلهم أخرج جميع من بقي عنده حتى يقاتلوا فالتقوا على جسر نهر ديالى، فاقتتلوا فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه، حتى دخلوا بغداد، وذلك سلخ ذي العقدة. فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع، ثم تحول إلى حميد، وجعل الهاشميون والقواد يأتون حميداً واحداً بعد واحد، فلما رأى ذلك إبراهيم سقط في يديه، وشق عليه؛ اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة. وكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر شهراً واثني عشر يوما.

اختفاء إبراهيم بن المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اختفاء إبراهيم بن المهدي.
203 ذو الحجة - 819 م
لما تحول حميد ونزل عند أرحاء عبدالله بن مالك، تسلل إليه أصحاب إبراهيم وقواده, فصار عامتهم عنده، وأخذوا له المدائن. فلما رأى إبراهيم فعلهم أخرج جميع من بقي عنده حتى يقاتلوا فالتقوا على جسر نهر ديالى، فاقتتلوا فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه، حتى دخلوا بغداد، وذلك سلخ ذي العقدة. فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع، ثم تحول إلى حميد، وجعل الهاشميون والقواد يأتون حميداً واحداً بعد واحد، فلما رأى ذلك إبراهيم أسقط في يديه، وشق عليه؛ وكاتب المطلب حميداً ليسلم إليه ذلك الجانب، وكان سعيد بن الساجور، وأبو البط وغيرهما يكاتبون علي بن هشام على أن يأخذوا له إبراهيم فلما علم إبراهيم بأمرهم، وما اجتمع عليه قوم من أصحابه جعل يداريهم، فلما جنه الليل اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة.

ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدي.
210 ربيع الثاني - 825 م
كان إبراهيم المهدي قد خرج على المأمون وبايعه أهل بغداد إلا أن الأمر لم يدم في يده طويلا حتى انفض عنه الناس وتركوه فاختفى مدة ست سنين وشهور ثم ظفر به المأمون, فاستعطفه إبراهيم فعفى عنه وتركه.

اغتيال أبي عبدالله الشيعي من قبل المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اغتيال أبي عبدالله الشيعي من قبل المهدي.
298 - 910 م
سبب ذلك أنّ المهديّ لمّا استقامت له البلاد، ودان له العباد، وباشر الأمور بنفسه، وكفّ يد أبي عبد الله، ويد أخيه أبي العبّاس، داخل أبا العبّاس الحسد، وعظُم عليه الفطام عن الأمر والنهي، والأخذ والعطاء، فأقبل يُزري على المهديّ في مجلس أخيه، ويتكلّم فيه، وأخوه ينهاه، ولا يرضى فعله، فلا يزيده ذلك إلاّ لجاجاً، ولم يزل حتّى أثّر في قلب أخيه، فقال يوماً للمهديّ: لو كنتَ تجلس في قصرك، وتتركني مع كُتامة آمرهم وأنهاهم، لأنّي عارفٌ بعاداتهم، لكان أهيب لك في أعين الناس. وكان المهديُّ سمع شيئاً ممّا يجري بين أبي عبد الله وأخيه، فتحقّق ذلك، ثمّ صار أبو العبّاس يقول: إن هذا ليس الذي كنّا نعتقد طاعته، وندعو إليه لأنّ المهديّ يختم بالحجّة، ويأتي بالآيات الباهرة، فأخذ قوله بقلوب كثير من الناس، فاتّفق هو وأخوه ومن معهما على الاجتماع وعزموا على قتل المهدي واجتمع معهم قبائل كُتامة إلاّ قليلاً منهم، وكان معهم رجل يُظهر أنّه منهم، وينقل ما يجري إلى المهديّ، ودخلوا عليه مراراً فلم يجسروا على قتله، فأمر المهديُّ عُرُوبة ورجالاً معه أن يرصدوا أبا عبدالله وأخاه أبا العبّاس، ويقتلوهما، فلمّا وصلا إلى قرب القصر حمل عروبة على أبي عبدالله، فقال: لا تفعل يا بنيّ! فقال: الذي أمَرتَنا بطاعته أمرنا بقتلك؛ فقُتل هو وأخوه، فقيل: إنّ المهديّ صلّى على أبي عبدالله، وقال: رحمك الله: أبا عبدالله، وجزاك خيراً بجميل سعيك. وثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرّد أصحابهما السيوف، فركب المهديُّ وأمّن الناس، فسكنوا، ثمّ تَتّبعهم حتّى قتلهم. وثارت فتنة ثانية بين كُتامة وأهل القَيروان، قُتل فيها خلق كثير، فخرج المهديُّ وسكّن الفتنة، وكفّ الدعاة عن طلب التشيّع من العامّة، ولمّا استقامت الدولة للمهديّ عهد إلى ولده أبي القاسم نِزار بالخلافة.

طاعة أهل صقلية للمقتدر وعودهم إلى طاعة المهدي العلوي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

طاعة أهل صقلّية للمقتدر وعودهم إلى طاعة المهديّ العلويّ.
300 - 912 م
في سنة سبع وتسعين ومائتين استعمل المهديّ عليَّ بن عمر على صِقلّية، فلمّا وليها كان شيخاً ليّناً، فلم يرض أهل صِقلّية بسيرته، فعزلوه عنهم، وولّوا على أنفسهم أحمد بن قرهب، ودعا أحمد بن قرهب الناس إلى طاعة المقتدر، فأجابوه إلى ذلك، فخَطب له بصِقلّية، وقَطع خطبة المهديّ، وأخرج ابن قرهب جيشاً في البحر إلى ساحل أفريقية، فلقوا هناك أسطول المهديّ ومقدّمه الحسن بن أبي خنزير، فأحرقوا الأسطول، وقتلوا الحسن، وحملوا رأسه إلى ابن قرهب، وسار الأسطول الصقلّيُّ إلى مدينة سَفَاقُس، فخرّبوها، وساروا إلى طرابلس، فوجدوا فيها القائم بن المهديّ، فعادوا، ووصلت الخلع السود والألوية إلى ابن قرهب من المقتدر، ثمّ أخرج مراكب فيها جيش إلى قِلُّورِيَةَ، فغنم جيشه، وخربوا وعادوا؛ وسيّر أيضاً أسطولاً إلى إفريقية، فخرج عليه أسطول المهديّ، فظفروا بالذي لابن قرهب وأخذوه، ولم يستقم بعد ذلك لابن قرهب حال، وأدبر أمره، وطمع فيه الناس، وكانوا يخافونه، وخاف منه أهل جرجنت، وعصوا أمره، وكاتبوا المهديّ، فلمّا رأى ذلك أهل البلاد كاتبوا المهديَّ أيضاً، وكرهوا الفتنة، وثاروا بابن قرهب، وأخذوه أسيراً سنة ثلاثمائة وحبسوه، وأرسلوه إلى المهديّ مع جماعة من خاصّته، فأمر بقتلهم على قبر ابن أبي خنزير، فقُتلوا، واستعمل على صقلّية أبا سعيد موسى بن أحمد، وسيّر معه جماعة كثيرة من شيوخ كُتامة.

بناء مدينة المهدية عاصمة للعبيديين (الفاطميين) بشمال أفريقيا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

بناء مدينة المهدية عاصمة للعبيديين (الفاطميين) بشمال أفريقيا.
303 - 915 م
خرج المهديُّ بنفسه إلى تونس وقرطاجَنّة وغيرهما يرتاد موضعاً على ساحل البحر يتّخذ فيه مدينة، وكان يجد في الكتب خروج أبي يزيد على دولته، ومن أجله بنى المهديّة، فلم يجد موضعاً أحسن ولا أحصن من موضع المهديّة، وهي جزيرة متّصلة بالبّر كهيئة كفّ متّصلةٍ بزند، فبناها وجعلها دار ملكه، وجعل لها سوراً محكماً وأبواباً عظيمة وزْن كلّ مصراع مائة قنطار، وكان ابتداء بنائها يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة، فلّما ارتفع السور أمر رامياً أن يرمي بالقوس سهماً إلى ناحية المغرب، فرمى سهمه فانتهى إلى موضع المصلّى، فقال: إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار، يعني أبا يزيد الخارجيّ، لأنّه كان يركب حماراً، وكان يأمر الصُّنّاع بما يعملون، ثمّ أمر أن ينقر دار صناعة في الجبل تسع مائةَ شيني، وعليها باب مغلق؛ ونقر في أرضها أهراء للطعام، ومصانع للماء، وبنى فيها القصور والدور، فلّما فرغ منها قال: اليوم أمنتُ على الفاطميّات، يعني بناته، وارتحل عنها، ولّما رأى إعجاب الناس بها، وبحصانتها، كما يقول: هذا لساعة من نهار، وكان كذلك لأنّ أبا يزيد وصل إلى موضع السهم، ووقف فيه ساعة، وعاد ولم يظفر.

إرسال عساكر المهدي العبيدي إلى مصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إرسال عساكر المهدي العبيدي إلى مصر.
306 - 918 م
جهّز المهديُّ العبيدي صاحب إفريقية جيشاً كثيفاً مع ابنه أبي القاسم، وسيّرهم إلى مصر، وهي المرّة الثانية، فوصل إلى الإِسكندريّة في ربيع الآخر سنة سبع وثلاثمائة، فخرج عامل المقتدر عنها، ودخلها القائم، ورحل إلى مصر، فدخل الجيزة، وملك الأشمونين وكثيراً من الصعيد، وكتب إلى أهل مكّة يدعوهم إلى الدخول في طاعته فلم يقبلوا منه، ووردت بذلك الأخبار إلى بغداد، فبعث المقتدر بالله مؤنساً الخادم في شعبان، وجدّ في السير فوصل إلى مصر، وكان بينه وبين القائم عدّة وقعات، ووصل من إفريقية ثمانون مركباً نجدةً للقائم، فأرست بالإِسكندريّة، وعليها سليمان الخادم، ويعقوب الكُتاميُّ، وكانا شجاعين، فأمر المقتدر بالله أنّ يسيّر مراكب طَرَسُوس إليهم، فسار خمسة وعشرون مركباً، وفيها النفط والعُدد، ومقدّمها أبو اليمن، فالتقت المراكب بالمراكب، واقتتلوا على رشيد، فظفر أصحاب مراكب المقتدر، وأحرقوا كثيراً من مراكب إفريقية، وهلك أكثر أهلها، وأُسر منهم كثير، وفي الأسرى سليمان الخادم، ويعقوب، فقُتل من الأسرى كثير، وأُطلق كثير، ومات سليمان في الحبس بمصر، وحُمل يعقوب إلى بغداد، ثمّ هرب منها وعاد إلى أفريقية، وأمّا عسكر القائم فكان بينه وبين مؤنس وقعات كثيرة، وكان الظفر لمؤنس فلُقّب حينئذ بالمظفَّر، ووقع الوباء في عسكر القائم، والغلاء، فمات منهم كثير من الناس والخيل، فعاد من سلم إلى إفريقية. وسار عسكر مصر في أثرهم، حتّى أبعدوا، فوصل القائم إلى المهديّة في رجب من السنة.

مسير جيش المهدي إلى المغرب.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مسير جيش المهدي إلى المغرب.
315 - 927 م
سيّر المهديُّ العلويُّ، صاحب أفريقية، ابنه أبا القاسم من المهديّة إلى المغرب في جيش كثير، في صفر، لسبب محمّد بن خرز، الزناتيّ، وذلك أنّه ظفر بعسكر من كُتامة، فقتل منهم خلقاً كثيراً، فعظم ذلك على المهديّ، فسيّر ولده، فلمّا خرج تفرّق الأعداء، وسار حتّى وصل إلى ما وراء تاهَرت، فلّما عاد من سفرته هذه خطّ برُمحه في الأرض صفة مدينة وسمّاها المحمدّية، وهي المسيلة، وكانت خطّته لبني كملان، فأخرجهم منها، ونقلهم إلى فَحص القَيروان، كالمتوقّع منهم أمراً، فلذلك أحبذ أن يكونوا قريباً منه، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد الخارجيّ، وانتقل خلق كثير إلى المحمّديّة، وأمر عاملها أن يُكثر من الطعام ويخزنه ويحتفظ به ففعل ذلك، فلم يزل مخزناً إلى أن خرج أبو يزيد ولقيه المنصور، ومن المحمّديّة كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها.

وفاة عبيدالله المهدي أول خليفة عبيدي (فاطمي) وتولي ابنه القائم مكانه.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة عبيدالله المهدي أول خليفة عبيدي (فاطمي) وتولي ابنه القائم مكانه.
322 ربيع الأول - 934 م
في شهر ربيع الأوّل، توفّي المهديُّ أبو محمّد عبيدالله العلويُّ بالمهديّة، وأخفى ولده أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له، وكان يخاف أن يختلف الناس عليه إذا علموا بموته، وكان عمر المهديّ لّما توفّي ثلاثاً وستّين سنة، وكانت ولايته منذ دخل رقّاده ودُعي له بالإمامة إلى أن توفّي أربعاً وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً، ولّما توفّي ملك بعده ابنه أبو القاسم محمّد، وكان أبوه قد عهد إليه، ولّما أظهر وفاة والده كان قد تمكّن وفرغ من جميع ما أراده، واتَّبع سُنّة أبيه، وثار عليه جماعة، فتمكّن منهم؛ وكان من أشدّهم رجل يقال له ابن طالوت القرشيُّ، في ناحية طرابلس، ويزعم أنّه ولد المهديّ، فقاموا معه، وزحف إلى مدينة طرابلس، فقاتله أهلها، ثم تبينّ للبربر كذبه، فقتلوه وحملوا رأسه إلى القائم.

ظهور رجل ببغداد ادعى أنه المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ظهور رجل ببغداد ادعى أنه المهدي.
357 - 967 م
شاع الخبر ببغداد وغيرها من البلاد أن رجلا ظهر يقال له محمد بن عبد الله وتلقب بالمهدي وزعم أنه الموعود به، وأنه يدعو إلى الخير وينهى عن الشر، ودعا إليه ناس من الشيعة، وقالوا: هذا علوي من شيعتنا، وكان هذا الرجل إذ ذاك مقيما بمصر عند كافور الإخشيدي قبل أن يموت وكان يكرمه، وكان من جملة المستحسنين له سبكتكين الحاجب، وكان شيعيا فظنه علويا، وكتب إليه أن يقدم إلى بغداد ليأخذ له البلاد، فترحل عن مصر قاصدا العراق فتلقاه سبكتكين الحاجب إلى قريب الأنبار، فلما رآه عرفه وإذا هو محمد بن المستكفي بالله العباسي، فلما تحقق أنه عباسي وليس بعلوي انثنى رأيه فيه، فتفرق شمله وتمزق أمره، وذهب أصحابه كل مذهب، وحمل إلى معز الدولة فأمنه وسلمه إلى المطيع لله فجدع أنفه واختفى أمره، فلم يظهر له خبر بالكلية بعد ذلك.
حصار قابس والمهدية.
511 - 1117 م
جهز علي بن يحيى، صاحب إفريقية، أسطولاً في البحر إلى مدينة قابس، وحصرها، وسبب ذلك أن صاحبها رافع بن مكن الدهماني أنشأ مركباً بساحلها ليحمل التجار في البحر، فلما خاف رافع أن يمنعه علي التجأ إلى رجار ملك الفرنج بصقلية، واعتضد به، فوعده رجار أن ينصره ويعينه على إجراء مركبه في البحر، وتمادى رافع في المخالفة لعلي، وجمع قبائل العرب، وسار بهم، حتى نزل على المهدية محاصراً لها، وخادع علياً، وقال: إنني إنما جئت للدخول في الطاعة، وطلب من يسعى في الصلح، وأفعاله تكذب أقواله، فلم يجبه عن ذلك بحرف، وأخرج العساكر، وحملوا على رافع ومن معه حملة منكرة، فألحقوهم بالبيوت، ووصل العسكر إلى البيوت، فلما رأى ذلك النساء صحن، وولولن، فغارت العرب، وعاودت القتال، واشتد حينئذ الأمر إلى المغرب، ثم افترقوا، وقد قتل من عسكر رافع بشر كثير، ولم يقتل من جند علي غير رجل واحد من الرجالة، ثم خرج عسكر علي مرة أخرى، فاقتتلوا أشد من القتال الأول، وكان الظهور فيه لعسكر علي، فلما رأى رافع أنه لا طاقة له بهم رحل عن المهدية ليلاً إلى القيروان، فمنعه أهلها من دخولها، فقاتلهم أياماً قلائل، ثم دخلها، فأرسل علي إليه عسكراً من المهدية، فحصروه فيها إلى أن خرج عنها، وعاد إلى قابس، ثم إن جماعة من أعيان إفريقية، من العرب وغيرهم، سألوا علياً في الصلح، فامتنع، ثم أجاب إلى ذلك، وتعاهد عليه.

وفاة المهدي بن تومرت مؤسس الدعوة الموحدية بالمغرب الأقصى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة المهدي بن تومرت مؤسس الدعوة الموحدية بالمغرب الأقصى.
524 - 1129 م
محمد بن عبدالله بن تومرت المصمودي، لقب بالمهدي لقبه بذلك أتباعه، وهو زعيم الموحدين ومؤسس دولتهم، حدثت بينه وبين المرابطين معارك كان آخرها هذا العام وكان على مقربة من مراكش وقد مرض ابن تومرت بعد هذه الوقعة وتوفي في مدينة تينملل من بلاد السوس وصار قبره مزارا، وكان مرشحه للخلافة بعده عبدالمؤمن.

النورمانديون يحتلون مدينة المهدية بشمال أفريقيا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

النورمانديون يحتلون مدينة المهدية بشمال أفريقيا.
543 صفر - 1148 م
اشتد الغلاء بإفريقية من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة اثنتين وأربعين حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، وخلت القرى، ولحق كثير من الناس بجزيرة صقلية، فاغتنم رجار متملكها الفرصة وبعث جرج، مقدم أسطوله، فنزل على المهدية ثامن صفر سنة اثنتين وأربعين، وبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس؛ ففر بأخف حمله وتبعه الناس. فدخل جرج المهدية بغير مانع، واستولى على قصر الأمير حسن، وأخذ منه ذخائر نفيسة وحظايا بديعات، وعزم حسن على المجيء إلى مصر، فقبض عليه يحيى بن العزيز، صاحب بجاية، ووكل به وبأولاده، وأنزله في بعض الجزائر، فبقى حتى ملك عبد المؤمن بن علي بجاية في سنة سبع وأربعين، فأحسن إلى الأمير حسن وأقره في خدمته، فلما ملك المهدية تقدم إلى نائبه بها أن يقتدي برأي حسن ويرجع إلى قوله، وكان عدة من ملك منهم من زيري بن مناد إلى الحسن تسعة ملوك، ومدة ولايتهم مائتا سنة وثماني سنوات، من سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. فكانت عدة من ملك من بني باديس بن زيرى بن مناد تسعة، ومدتهم، من سنة إحدى وستين وثلثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، مائة واثنتان وثمانون سنة. وفيها بعث رجار بن رجار ملك جزيرة صقلية إلى المهدية أسطوله، مائتين وخمسين من الشواني، مع جرجي بن ميخائيل، فجد في حصارها حتى أخذها في صفر منها، وملك سوسة وصفاقس؛ وملك رجار بونة.

جيش دولة الموحدين يطرد النورمانديين من المهدية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

جيش دولة الموحدين يطرد النورمانديين من المهدية.
554 رجب - 1159 م
في صفر سار عبدالمؤمن بن علي عن مراكش، فسار يطلب إفريقية، فلم يزل يسير إلى أن وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، وبها صاحبها أحمد بن خراسان، فلما نازلها أرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته، فامتنعوا، فقاتلهم من الغد أشد قتال، فلم يبق إلا أخذها، ودخول الأسطول إليها، فجاءت ريح عاصف منعت الموحدين من دخول البلد، فرجعوا ليباكروا القتال ويملكوه، فلما جن الليل نزل سبعة عشر رجلاً من أعيان أهلها إلى عبد المؤمن يسألونه الأمان لأهل بلدهم، فأجابهم إلى الأمان لهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لمبادرتهم إلى الطاعة، وأما ما عداهم من أهل البلد فيؤمنهم في أنفسهم وأهاليهم، ويقاسمهم على أموالهم وأملاكهم نصفين، وأن يخرج صاحب البلد هو وأهله؛ فاستقر ذلك، وتسلم البلد، وعرض الإسلام على من بها من اليهود والنصارى، فمن أسلم سلم، ومن امتنع قتل، وأقام أهل تونس بها بأجرة تؤخذ عن نصف مساكنهم، وسار عبد المؤمن منها إلى المهدية والأسطول يحاذيه في البحر، فوصل إليها ثامن عشر رجب، وكان حينئذ بالمهدية أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان، وقد أخلوا زويلة، فدخل عبد المؤمن زويلة، وامتلأت بالعساكر والسوقة وانضاف إليه من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الإحصاء، وأقبلوا يقاتلون المهدية مع الأيام، فلا يؤثر فيها لحصانتها وقوة سورها وضيق موقع القتال عليها، لأن البحر دائر بأكثرها، فكأنها كف في البحر، وزندها متصل بالبر، وكانت الفرنج تخرج شجعانهم إلى أطراف العسكر، فتنال منه وتعود سريعاً؛ فأمر عبد المؤمن أن يبنى سور من غرب المدينة يمنعهم من الخروج، وأحاط الأسطول بها في البحر، وركب عبد المؤمن في شيني، ومعه الحسن ابن علي الذي كان صاحبها، وطاف بها في البحر، فهاله ما رأى من حصانتها، وعلم أنها لا تفتح بقتال براً ولا بحراً، وليس لها إلا المطاولة، فتمادى الحصار، وفي مدته أطاع صفاقس عبد المؤمن، وكذلك مدينة طرابلس، وجبال نفوسة، وقصور إفريقية وما والاها، وفتح مدينة قابس بالسيف، وسير ابنه أبا محمد عبد الله في جيش ففتح بلاداً، ثم إن أهل مدينة قفصة لما رأوا تمكن عبد المؤمن أجمعوا على المبادرة إلى طاعته، وتسليم المدينة إليه، ولما كان في الثاني والعشرين من شعبان، جاء أسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينياً غير الطرائد، وكان قدومه من جزيرة يابسة من بلاد الأندلس وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه، فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمجيء إلى المهدية، فقدموا في التاريخ، فلما قاربوا المهدية حطوا شراعهم ليدخلوا الميناء، فخرج إليهم أسطول عبد المؤمن، وركب العسكر جميعه، ووقفوا على جانب البحر، فاستعظم الفرنج ما رأوه من كثرة العساكر، ودخل الرعب قلوبهم، واقتتلوا في البحر، فانهزمت شواني الفرنج، وأعادوا القلوع، وتبعهم المسلمون، فأخذوا منهم سبع شوان، ولو كان معهم قلوع لأخذوا أكثرها، وكان أمراً عجيباً، وفتحاً قريباً، وعاد أسطول المسلمين مظفراً منصوراً، وفرق فيهم عبد المؤمن الأموال؛ ويئس أهل المهدية حينئذ من النجدة، وصبروا على الحصار ستة أشهر إلى آخر شهر ذي الحجة، فنزل حينئذ من فرسان الفرنج إلى عبد المؤمن عشرة، وسألوا الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم، وكان قوتهم قد فني حتى أكلوا الخيل، فعرض عليهم الإسلام، ودعاهم إليه فلم يجيبوا، ولم يزالوا يترددون إليه أياماً واستعطفوه بالكلام اللين، فأجابهم إلى ذلك، وأمنهم وأعطاهم سفناً فركبوا فيها وساروا، وكان الزمان شتاء، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا النفر اليسير، وكان صاحب صقلية قد قال: إن قتل عبد المؤمن أصحابنا في المهدية قتلنا المسلمين الذين هم بجزيرة صقلية، وأخذنا حرمهم وأموالهم؛ فأهلك الله الفرنج غرقاً، وكانت مدة ملكهم المهدية اثنتي عشرة سنة، ودخل عبد المؤمن المهدية بكرة عاشوراء من المحرم سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وسماها عبد المؤمن سنة الأخماس، ورحل من المهدية أول صفر.

عصيان أهل المهدية على يعقوب وطاعتها لولده محمد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عصيان أهل المهدية على يعقوب وطاعتها لولده محمد.
595 - 1198 م
كان أبو علي يونس بن عمر ولي المهدية، وجعل قائد الجيش بالمهدية محمد بن عبد الكريم، وهو شجاع مشهور، فعظمت نكايته في العرب، فلم يبق منهم إلا من يخافه، فاتفق أنه أتاه الخبر بأن طائفة من عوف نازلون بمكان، فخرج إليهم، وعدل عنهم حتى جازهم، ثم أقبل عائداً يطلبهم، وأتاهم الخبر بخروجه إليهم، فهربوا من بين يديه، فلقوه أمامهم، فهربوا وتركوا المال والعيال من غير قتال، فأخذ الجميع ورجع إلى المهدية وسلم العيال إلى الوالي، وأخذ من الأسلاب والغنيمة ما شاء، وسلم الباقي إلى الوالي وإلى الجند، ثم إن العرب من بني عوف قصدوا أبا سعيد بن عمر اينتي، فوحدوا وصاروا من حزب الموحدين، واستجاروا به في رد عيالهم، فأحضر محمد بن عبد الكريم، وأمره بإعادة ما أخذ لهم من النعم، فقال: أخذه الجند، ولا أقدر على رده، فأغلظ له في القول، وأراد أن يبطش به، فاستمهله إلى أن يرجع إلى المهدية ويسترد من الجند ما يجده عندهم، وما عدم منه غرم العوض عنه من ماله، فأمهله، فعاد إلى المهدية وهو خائف، فلما وصلها جمع أصحابه وأعلمهم ما كان من أبي سعيد، وحالفهم على موافقته، فحلفوا له، فقبض على أبي علي يونس، وتغلب على المهدية وملكها، فأرسل إليه أبو سعيد في معنى إطلاق أخيه يونس، فأطلقه على اثني عشر ألف دينار، فلما أرسلها إليه أبو سعيد فرقها في الجند وأطلق يونس، وجمع أبو سعيد العساكر، وأراد قصده ومحاصرته، فأرسل محمد بن عبد الكريم إلى علي بن إسحاق الملثم فحالفه واعتضد به، فامتنع أبو سعيد من قصده، ومات يعقوب، وولي ابنه محمد، فسير عسكراً مع عمه في البحر، وعسكراً آخر في البر مع ابن عمه الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن، فلما وصل عسكر البحر إلى بجاية، وعسكر البر إلى قسنطينة الهوى، هرب الملثم ومن معه من العرب من بلاد إفريقية إلى الصحراء، ووصل الأسطول إلى المهدية، فشكا محمد بن عبد الكريم ما لقي من أبي سعيد، وقال: أنا على طاعة أمير المؤمنين محمد، ولا أسلمها إلى أبي سعيد، وإنما أسلمها إلى من يصل من أمير المؤمنين؛ فأرسل محمد من يتسلمها منه، وعاد إلى الطاعة.

خروج محمد بن الحسن المهدي من فرقة النصيرية عن الطاعة وادعائه أنه صاحب البلاد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خروج محمد بن الحسن المهدي من فرقة النصيرية عن الطاعة وادعائه أنه صاحب البلاد.
717 ذو القعدة - 1318 م
ظهر في سابع عشر ذي القعدة رجل من أهل قرية قرطياوس من أعمال جبلة (في الساحل السوري) زعم أنه محمد بن الحسن المهدي، وأنه بينا هو قائم يحرث إذ جاءه طائر أبيض فنقب جنبه وأخرج روحه وأدخل في جسده روح محمد بن الحسن، فاجتمع عليه من النصيرية القائلين بإلهية علي بن أبي طالب نحو الخمسة آلاف، وأمرهم بالسجود له فسجدوا، وأباح لهم الخمر وترك الصلوات وصرح بأن لا إله إلا علي ولا حجاب إلا محمد، ورفع الرايات الحمر، وشمعة كبيرة توقد بالنهار ويحملها شاب أمرد زعم أنه إبراهيم بن أدهم، وأنه أحياه، وسمى أخاه المقداد بن الأسود الكندي، وسمى آخر جبريل، وصار يقول له: اطلع إليه وقل كذا وكذا، ويشير إلى الباري سبحانه وتعالى، وهو بزعمه علي بن أبي طالب، فيخرج المسمى جبريل ويغيب قليلاً، ثم يأتي ويقول: افعل رأيك، ثم جمع هذا الدعي أصحابه وهجم على المسلمين بجبلة يوم الجمعة العشرين منه، فقتل وسبى وأعلن بكفره، وسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فجرد إليه نائب طرابلس الأمير شهاب الدين قرطاي الأمير بدر الدين بيليك العثماني المنصوري على ألف فارس فقاتلهم إلى أن قتل الدعي، وكانت مدة خروجه إلى قتله خمسة أيام، فتمزقت جماعة هذا الثائر بجبلة، وكان قد ادعى أن دين النصيرية حق، وأن الملائكة تنصره، ثم بعد قتله رسم أن يبنى بقرى النصيرية في كل قرية مسجد، وتعمل له أرض لعمل مصالحه، وأن يمنع النصيرية من الخطاب وهو أن الصبي إذا بلغ الحلم عندهم عملت له وليمة، فإذا اجتمع الناس وأكلوا وشربوا حلفوا الصبي أربعين يميناً على كتمان ما يودع من المذهب، ثم يعلمونه مذهبهم وهو إلهية علي بن أبي طالب، وأن الخمر حلال، وأن تناسخ الأرواح حق، وأن العالم قديم، والبعث بعد الموت باطل، وإنكار الجنة والنار، وأن الصلوات خمس وهي إسماعيل وحسن وحسين ومحسن وفاطمة، ولا غسل من جنابة، بل ذكر هذه الخمسة يغني عن الغسل وعن الوضوء، وأن الصيام عبارة عن ثلاثين رجلاً وثلاثين امرأة ذكروهم في كتبهم، وأن إلههم علي بن أبي طالب خلق السموات والأرض، وهو الرب، وأن محمداً هو الحجاب وسلمان هو الباب، إلى غير ذلك من عقائدهم الفاسدة المعروفة في كتبهم وكتب غيرهم ممن كشف حقائقهم.

مملوك يدعي أنه المهدي في مصر.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مملوك يدعي أنه المهدي في مصر.
729 ذو القعدة - 1329 م
في يوم الجمعة سادس ذي القعدة بعد أذان الجمعة صعد إلى منبر جامع الحكم بمصر شخص من مماليك الجاولي يقال له أرصى، فادعى أنه المهدي وسجع سجعات يسيرة على رأي الكهان، فأنزل في شرخيبة، وذلك قبل حضور الخطيب بالجامع المذكور.

وفاة المهدي علي بن محمد إمام الزيدية باليمن.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة المهدي علي بن محمد إمام الزيدية باليمن.
773 - 1371 م
المهدي لدين الله علي بن محمد بن علي بن منصور من سلالة الناصر بن الهادي إلى الحق من أئمة الزيدية في اليمن، بويع بالإمامة بعد وفاة المؤيد بالله يحيى بن حمزة، افتتح صنعاء واستولى على صعدة وذمار وقاتل الباطنية وخرب قراهم وأمن الطرقات وأزال سبع عشرة إمارة مستقلة، وله تصانيف ومختصرات ورسائل.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت