وسلم احسن العابدين لربه، ووجه ذلك أن أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شملت كل ما يتمناه العبد من خيري الدنيا والآخرة، فأدعيته صلى الله عليه وسلم هي إقرار لله تعالى بالوحدانية، والقيومية، والقدرة، والعلم، والرحمة، وسائر صفات الكمال الثابتة له سبحانه، وفي أدعيته صلى الله عليه وسلم إقرار منه أن أحدًا غير الله لا يملك للعباد نفعًا ولا ضرًا ولاموتًا ولا حياة ولا نشورًا، بل الأمر كله لله، فلا يجوز أن يدعى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه، وفيها أنه صلى الله عليه وسلم كان همه الأهم في دعائه، أمر الآخرة، فنراه يدعو بالمغفرة والرحمة، والهدى والتقى والعفاف والغنى، وتثبيت القلب على الإيمان.
على أنه لم يخل دعاؤه صلى الله عليه وسلم من الدعاء بصلاح أمر الدنيا؛ كما في دعائه صلى الله عليه وسلم بالغنى وقضاء الدين، والنصر على أعدائه، وإن كان في أدعيته بأمر الدنيا تعلق كبير بأمر الآخرة، ووجهه أن المرء إذا وقع في الدّين والفقر ربما أضره ذلك في دينه، كأن يحدث فيكذب، أو يعد فيخلف، كما في حديث عائشة في الصحيح.
وكذلك الدعاء بالنصر على الأعداء، إذ فيه التمكين للدين، ودرء الفتنة عن المؤمنين.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم"وامكر لي ولا تمكر علي"قال الطيي فيما نقله عنه صاحب عون المعبود (3754) : المكر: الخداع، وهو من الله إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون، وقيل: استدراج العبد بالطاعة فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة.