ودعت أخي في الميناء، وعدت إلى المنزل متعبا، أمنِّي نفسي بنوم عميق، لكن خاطرا ألحّ عليَّ وأرّقني.
كنت ألقيت نظرة على تلك السفينة الضخمة التي ركبها أخي، واستحضرت فجائع السفن، وأهوالها، ولا أدري ما الذي جعلني أستعرض صحبتي لأخي من زمن طفولتنا، وأقف عند كثير من صفاته الطيبة وأهمها طِيبة القلب وإيثاره لإخوانه وحلمه، إنه أخ كبير النفس، ليس مثله في الناس كثيرا.
وألحّت عليَّ الخواطر الرديئة وجرّتني إلى مشاهد صنعت لي (فيلما) طويلا، لست أدري كم مضى من الوقت وأنا أعيش أحداث هذا (الفلم) ، لكن المعاني تداعت، ورحت مع خواطري بعيدا وتلاشى انتباهي، فلم أفق إلا على صوت الهاتف، لأجد صديقي يدعوني على عجل، ويخبرني أن معه عددا من الأصدقاء القدامى وأن أمرا جللا يقتضي أن نجتمع وننظر ماذا نفعل.
رحت مسرعا إلى أصدقائنا الذين وجدتهم جميعا في حالة من الذهول، حاولت أن أستوضح منهم سبب ذهولهم، وهمست إلى أحدهم: هل حان الوقت، فأشار إليّ أن الأمر سيتضح قريبا.
وبعد قليل بدأ الأصحاب يمسكون بأيدي بعضهم ويقتربون وكأن الوقت قد حان، كنت أشعر بالخوف ممزوجًا بالشوق لشيء ما، وقلت: الحمد لله، لم يطل انتظارنا، واقترب منا جماعات من الناس لا أعرفهم وكأنهم جاؤوا على عجل خشية أن نفوتهم.
وتحركنا .. كان الجو صافيا، وكانت الرحلة ممتعة إلا من الخوف لا سيما حين نظرت إلى الأرض تحتنا فوجدتها صغيرة بعيدة، ووجدتني أهمس: يارب سلّم.
كنت في حيرة حيث لم يخبرني أصحابي هل نحن ذاهبون في زيارة إليهم أم نحن ضيوف دعينا فأجبنا، وهل سألوا عن أحوالهم قبل القدوم عليهم، إنها رحلة عجيبة، مخيفة وممتعة في آن واحد.
لست أدري كم مر من الوقت قبل أن نلمح الكوكب الباهر الذي نقصده، وأشار إلي صاحبي مبتسما: لقد دنونا.
هبطنا بسلام، كان المكان فسيحا نظيفا، يسوده الهدوء، لم نر أحدا يستقبلنا، تنبهت إلى أن وقت الفجر يقترب.