فهرس الكتاب
وينقلنا هذا إلى لب فلسفة أفلاطون - ونظريته الشهيرة عن المثل. وكم من بحور من المداد قد استنزفت في تسطير المناقشات التي دارت حول هذا الموضوع:"وما الذي كان يعنيه أفلاطون تماما بعالم الأفكار الذي نادى به إذا ما قورن بعالم الأشياء؟"فهل في وسعنا أن نوضح الفرق الأساسي بين العالمين في فقرات قصيرة معدودة؟
قال أفلاطون: إن كل شيء زمني في هذا العالم هو صورة لمثال أبدي موجود في عقل الله. وهكذا لست أنا وأنت إلا صورة بشرية للمثال الإلهي عن الإنسان. وكل شجرة إن هي إلا صورة للنموذج الذي يهيمن على شكل الأشجار جميعا ونموها. وكل عمل صالح إن هو إلا صورة للمثال الأبدي للصلاح. ويخرج الشخص أو الشيء أو الصفة إلى عالم الوجود كلما اتصل النموذج الأبدي بالمادة - تلك المادة الأولى الخام التي يحول بها مَثَّالُ الكونِ مثله الدائمة إلى أشياء زائلة.
ولتوضيح هذه النقطة فلنتصور مثال الرجولة نورا لامعا تحيط به آلاف المرايا - بعضها محدب وبعضها مقعر، بعضها غير مصقول وبعضها أملس، بعضها مكسور وبعضها سليم. وكل هذه المرايا تعكس صورة الرجولة ذاتها التي تتوسط المرايا. وبالرغم من ذلك لا نجد انعكاسا يطابق انعكاسا آخر تماما؛ إذ أن كل صورة تعتمد في تكوينها على طبيعة السطح العاكس. ومن هنا ينشأ الاختلاف بين الرجال، أو تنشأ صورة الرجولة المختلفة فيكون رجال أخيار أو
أشرار، أقوياء أو ضعفاء، مستقيمون أو منحرفون، حكماء أو أغبياء، عجلون أو متوانون. وفوق هذا فإن جميع الصور المنعكسة ليست حقيقة، بل هي مجرد مظاهر؛ فهي صور للضوء اللامع، أشياء تبدو حقيقية