فهرس الكتاب
احتقار. ولم يأسف على مغادرته موطنه الأصلي حتى إنه عندما أصدر القضاة حكمهم عليه بالرحيل عن سينوبي رد الإهانة ساخرًا بقوله:"وأنا بدوري أحكم عليكم بالبقاء في سينوبي".
واتجه إلى أثينا، وهناك تقدم طالبًا الالتحاق بمدرسة أنتستانس الفلسفية. وكانت طريقة طلبه مثيرة للعواطف. فبينما كان الأستاذ يحاضر طلبته إذا بهذا الشريد الأشعث، رث الثياب، يدخل الحجرة وهو يدك الأرض بقدميه دكا، ويصمم على أن يتخذ لنفسه مكانًا بين الطلبة. وعندئذ قوبل بصيحات الغضب والسخرية:"اخرج أيها الكلب الأجرب"!"غير مرخص للمتسولين بالدخول هنا"!"عد إلى الوحل، مكانك الطبيعي"!
ثم حاول أنتستانس في رقة، ولكن في حزم، أن يخرج الدخيل:"أظن أنك لو عدت إلى بيتك وهندمت نفسك قليلا"- فأجاب ديوجينيس قائلا:"لا بيت لي، وإني مصمم على البقاء هنا وأنا على هذه الحال. يدعونني كلبًا، حسنًا جدًّا، إني أتفق معهم، فقبضتي على الفلسفة كقبضة الكلب تمامًا. ولن تلين قبضتي، بل سأبقى متمسكًا بها"!
وعندئذ أخذ يضربه بعض الطلبة ممن يميلون إلى العنف بدرجة أشد. ولكنه كان يصرخ فيهم قائلا:"استمروا، اضربوني كما يحلو لكم. فلم تخلق بعد قبضة اليد الصلبة التي يمكن أن تبعدني عن الفلسفة"!
وهكذا سمحوا له بالبقاء. ولم تمض مدة طويلة حتى تحول احتقارهم لديوجينيس إلى درجة من الاحترام، فلم يكن في استطاعتهم إلا أن يعجبوا شاب رفض أن يسير في ركاب العرف
والتقاليد؛ لأنه كان يجدّ في طلب الحق.