فهرس الكتاب
إذا أنه كان يؤمن بشيوعية الملكية، ومشاركة النفوس في وحدة واحدة. كما كان من أنصار إلغاء الرق، وبألا يكون للسادة حياة مترفة وبألا يعاني الجوع عامة الشعب، وبألا تسنَّ القوانين في صالح الأقوياء على حساب الضعفاء.
وكان التلميذ ديوجينيس أكثر تطرفا من معلمه، فلم يعارض الملكية الخاصة فحسب، وإنما رفض كل أنواع الملكية. وعاش على التسول، يدفع ثمن ما يحصل عليه من صدقات"أثمن"
العملات - ألا وهي الفلسفة". وسمى نفسه أخا الجنس البشري كله، وكل الأشياء الحية"
كذلك. وهكذا صار مواطنا عالميا شريدا. وبتجريده نفسه من كل متاع فقد عثر على أعظم
عطية - ألا وهي التحرر من الخوف من سرقة العالم؛ إذ لم يكن لديه ما يستحق أن يسرق. وكان يعتبر نفسه كامل الحرية والاستقلال. ولنستمع إليه يقول في هذا الصدد:"يأكل أرسطو عندما يشاء الملك، أما ديوجينيس فإنه يأكل عندما يشء ديوجينيس".
وبالرغم من ذلك فقد كانت تمر بالفيلسوف لشريد أوقات يعضه فيها الجوع. فإذا ما سأل بعضهم كسرة من الخبز ألقموه عددا من الحجارة. وذات يوم رأوه وهو يسأل أحد التماثيل إحسانا. وكان إذا ما رغب بعضهم في معرفة السبب الذي من أجله يسلك هذا السلوك الغريب يجيبهم بقوله:"إنني أتلقى دروسا في كيف أطْلُبُ فأردُّ خائبا".
وقصارى القول أن شخصية ديوجينيس تتلخص في أنه كان متواضعا كأنه متسول، ومتشامخا كأنه ملك. أما نظرته المقلوبة إلى العالم، نظرة الهازىء، فقد كشفت الستار عن حقائق كثيرة في هذا الضوء الجديد. وحدث مرة في أثناء تجواله أن أسره بعض القراصنة. فلما عرضوه للبيع في سوق العبيد ابتدر المشترين الذين وقع اختيارهم عليه بقوله:"أيها العبيد، تقدموا لشراء"
سيد"."