فهرس الكتاب
وكان على أهبة الاستعداد دائما لتطبيق فلسفته وتلقيها سواء بسواء. ويروى أنه أمسك مرة بتلابيب صبي كان قد ارتكب حادث تخريب، فصحب المذنب إلى بيته، وهناك صفع والده وهو يقول:"إنني لا أوجه لوما إلى الابن على سوء فعلته، فهو لم يتعلم شيئا أفضل، ولكنني أصب لومي على الأب الذي لم يعلم شيئا أفضل".
وهكذا كان يتجول في عباءته الرثة، يقابل الكثير من الصدمات، ويلقي قدرًا ضئيلا من
الاحترام، ولكنه يستمتع بالاطمئنان الناتج من فهم صادق لغرور الحياة. ولنستمع إليه يقول في هذا الصدد:"إذا ما صادفت رجلا أنيق الملبس فأنا الذي أقر عينا لا هو، إذ يقع نظري على أبهته بينما يقع نظره على رث ثيابي". وحدث في إحدى الليالي أن لفت نظره فأر يجري في حرية، من غير ما حاجة إلى مسكن، ولا خوف من الظلام. فعلق على ذلك قائلا:"لست أنا والفأر إلا روحين متجانسين. ينام هو في جحره وأنا في دني. وإلى أن نقع في فخ القدر فكلانا قانعان بالانطلاق في أرجاء العالم، من غير ما عائق يقف في سبيلنا".
ولم يكن يقلق باله شيء، فقد كان خاوي الوفاض لا يملك من طعام الدنيا شيئًا. أما حاجاته الضرورية القليلة فكان يحملها في جعبة يعلقها على كتفه، وكان إذا ما قسا الجو يقرفص في
دنه، وإذا ما صحا الجو مدد جسمه في العراء، ملتحفا بالسماء."فأي مسند للرأس أكثر ليونة من حزمة من السمار؟ وأي رياش أفخر من الأزهار والأشجار؟".
وكان دائم الأسفار مشيا على قدميه من مكان إلى مكان، ولكنه اتخذ من أثينا المركز الرئيسي لإقامته. وهنا كان يحاضر الناس في الشوارع، كما كان يفعل سقراط. وكانت دعاباته تقابل بالسخرية من الغالبية العظمى، ولم يكن يقهقه لها