فهرس الكتاب
كل الأشياء تتحرك إلى الأبد من أعلى إلى أسفل في خلاء لامتناه. ومن آونة إلى أخرى تنحرف إلى هذا الجانب أو ذاك فتلتقي، شأنها في ذلك شأن الذرات في شعاع الشمس. والجواهر ذوات أحجام مختلفات، وأشكال متباينات، وبانحرافها المستمر والتقائها، فإنها تركب
بالتدريج، وتؤلف مادة النجوم والأراضي والأقمار والشموس وعوالم الكون.
وكوننا - في رأي أبيقور - ليس هو الكون الوحيد في الوجود. فهناك عوالم أخرى لا تقل اتساعا وروعة عن كوننا وكل كون له أيضا أرضه بجبالها ومحيطاتها وأجناسها البشرية، وفصائل الحيوانات المتوحشة. وهكذا فلسنا وحدنا الحصباء التي تغطي شاطىء محيط الفضاء
اللامتناهي، وذلك لأن الجواهر الفردة تدخل في تركيب نفس الأنواع من المركبات في نفس الأنواع من الظروف
والأحوال، وتتكرر هذه العملية باستمرار، إذ أن هذه الجواهر تدور بسرعة وبلا توقف من أعلى إلى أسفل في مسارات الخلاء اللامتناهية.
وطبقا لأبيقور فإن كل هذه الحركة التي تقوم بها الجواهر تلقائية. فلا تقودها أو ترشدها يد
إلهية، وحتى الآلهة إن هم إلا نتاج دوامة الجواهر، وتتكون أجسامهم من مركبات ذرية ألطف وأرق من تلك التي تدخل في تركيب الإنسان. ولكن الآلهة أيضا غير مخلدين، فهم يعيشون في الخلاء الشاسع بين العوالم، ولا يبالون بتاتا بوجودنا البشري. وهم يجولون في السماوات، كما نجول نحن تماما على الأرض، في انتظار تحلل أجسامهم في النهاية إلى الجواهر الفردة المنفصلة التي منها قد أتوا. ولما كانت الجواهر في حركة دائمة، وتنحل من الأجسام الواحد بعد الآخر. فيستتبع ذلك حتما أن العالم يسير