فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 440

ليموت ميتة أشنع. فَلْيُعْنَ الآلهة إذن بأنفسهم ولنحاول نحن أن نقلدهم، من غير أن نطلب منهم عونا. أما خلاصنا فيتوقف على أنفسنا فحسب، لأننا نعيش في عالم خلق نفسه خلال التقاء الجواهر الفردة اتفاقا، تلك الجزئيات من المادة التي تتحرك في أشكال لا حد لها، ولكن من غير ما ترتيب أو تخطيط.

وبالرغم من ذلك فنحن نتساءل: كيف حدث أن أدى تجمع هذه الجزئيات غير الموجهة من المادة معًا إلى خلق عالم من الأشجار والأزهار، والطيور والحيوانات والبشر؟! وما نوع هذه العملية التي وفقت الجواهر خلالها في أن تخرج إلى حيز الوجود عالمًا مثل ديمقريطس، أو فيلسوفًا مثل أبيقور؟ وقد أجاب أبيقور عن هذا السؤال بقوله: إن ذلك يتم بجهل وبغير قصد خلال طريقة المحاولة والخطأ، خلال تطور المادة التدريجي من الأشكال الأولية إلى الأكثر تهذيبًا، خلال التخلص الطبيعي من غير الصالح والبقاء للأصلح. وقصارى القول: خلال عملية النشوء والارتقاء.

وهكذا نرى أن أبيقور قدم نظرية النشوء والارتقاء لألفين ومائتي عام قبل داروين. ولكننا سبق أن لاحظنا لمحات مبكرة عن هذه النظرية عندما تحدثنا عن الفلسفة المصرية عند

بتاح - حتب، وعن الفلسفة الصينية عند كونفوشيوس. ففكرة"النشوء والارتقاء"إذن يمكن إرجاعها لا إلى أبيقور فحسب، وإنما إلى الفلاسفة الشرقيين الذين عاشوا قرونًا عدة قبل ظهوره. فكما قال الملك سليمان: لا جديد تحت الشمس.

ولنرجع الآن إلى نظرية أبيقور عن النشوء والارتقاء كما جاءت في قصيدة لوكريشيوس. يعلن أبيقور أن الجواهر في حركتها الدائرية اللانهائية تعرضت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت