فهرس الكتاب
يصحب الصداقة الحقة لهو الموهبة الوحيدة المؤكدة التي نملكها في هذا العالم ذي القيم المشكوك
فيها. وإذا كانت متاعب الحياة توفق بيننا وبين الموت فإن مباهج الصداقة توفق بيننا وبين الحياة"."
وهكذا فإن فلسفة أبيقور عن"اللذة المنعزلة التي يشارك فيها الفرد أصدقاء مخلصين"لم تكن مجرد هروب الذات نفسها من العالم. وإنما كانت مجهودًا مدبرًا لتهدئة حمى العالم والإقلال من ألم الحياة. وكثيرًا ما كان أبيقور يتحدث عن مدرسته بقوله:"شركتنا المقدسة". وقد كرَّس أعضاء هذه المدرسة أنفسهم لقداسة التعاطف المشترك، والبهجة المتصلة بسرور الآخرين وسعادتهم.
وكان أبيقور يقضي الكثير من وقته في كتابة رسائل إلى أصدقائه، وإلى أطفالهم بصفة خاصة. وكان يرمي إلى أن يشب الأطفال في عالم من"الأنانية المستنيرة"- أي إنهم يمنحون الرحمة إلى الآخرين فيستردونها عرفانًا بالجميل. ولم تكن حياته الخاصة إلا سلسلة من الكلمات الرقيقة والأفعال الكريمة. وكانت لذته الكبرى أن يعطي ويأخذ إحسانًا بإحسان.
وقد ساعده علمه، بما كان يحوطه من حنان، ويغمره من عطف، على تحمل كل ما صادفه من آلام وعناء. وقد حول الفقر والحرمان والمرض"حلم حياته"إلى كابوس. وبالرغم من ذلك فقبيل موته كتب إلى أحد أصدقائه يقول:"إنني أجتاز الآن آخر يوم في حياتي. فقد تملكني مرض الحصاة (انسداد مؤلم في المثانة بسبب تقطر البول) وحطمتني الآلام المبرحة التي لم يعد يقوى الجسم على احتمالها. ولكنني بالرغم من كل هذا أجد سعادتي في استعادة ما كنا نتبادله من أفكار وأحاديث فيما مضى".