فهرس الكتاب
والله، كما أعلن أبيكتاتوس، هو القوة كلها، والحكمة كلها، والخير كله. ثم يردد أبيكتاتوس هنا رأي الفلاسفة الشرقيين فيقول: إن الألم الذي نعانيه في هذه الحياة إن هو إلا مجرد حاجز أو عائق يقوي أرواحنا. وفي إحدى المختارات الممتازة في الأدب عبر أبيكتاتوس عن دستوره الفلسفي إذ قال:"لما كانت غالبيتنا العظمى تسير في الظلام، أفلا ينبغي أن يكون هناك من يسبح بحمد الله نيابة عنا جميعًا؟ وما الذي يستطيع أن يفعله رجل أعرج مسن مثلي سوى الترنم بحمد الله؟ فلو أنني في الحقيقة كنت بلبلا، لصدحت كالبلبل، ولكنني مخلوق عاقل، ولذلك علي أن أسبح بحمد الله. هذه هي مهمتي، أقوم بها ولن أهمل هذا الواجب، ما دام الواجب منوطًا بي. وإني لأدعونكم جميعًا للاشتراك في الترنم بهذه الأنشودة عينها".
ومن العجيب أن هذا الفيلسوف الرواقي كان يمارس الديانة المسيحية، بالرغم من أنه لم يكن قد سمع بالمسيح. فنجده يقول:"إن الحق، شأنه في ذلك شأن أشعة الشمس، يصل إلينا خلال نوافذ عديدة - أي في أوقات مختلفة، وفي أماكن مختلفة، وفي كلمات مختلفة. ولكن المعنى ثابت على الدوام - رعاية الإله، وأخوة الإنسان، والوصية العامة بالعطاء والغفران. فلتعط بوفرة من نفسك، ولتغفر لأولئك الذين لا يستطيعون أن يفعلوا مثل ذلك".
وفوق كل هذا فقد كان أبيكتاتوس رجل سلام. فلنستمع إليه يقول:"الحياة معركة، ولكنها ليست ضد عدو، وإنما هي ضد روح العداء". وفي رأيه أن أحسن سبيل للتغلب على العدو هو تحويله إلبى صديق. ولكي يوضح لنا هذه الفكرة ذكر قصة مشوقة عن ليكرجس، مشرع اسبرطة الشهير. ففي أثناء إحدى الفتن التي قام بها الغوغاء هوجم ليكرجس وفقد إحدى عينيه. وألقى القبض على المعتدي وسلم إليه تمهيدًا لإنزال العقاب المناسب به