فهرس الكتاب
فما كان من ليكرجس إلا أن أبقى على الشاب ولم يمسه بسوء، بل وقبل أن يكون أحد تلاميذه. وبعد انقضاء بضعة أشهر اصطحبه إلى المسرح. فلما أظهر الأسبرطيون دهشتهم حدثهم
قائلا:"كان العقاب الذي وقعته على هذا الشاب منطقيًّا وعادلا، فقد سلمتموني إياه"
وغدًا، وهأنذا أعيده إليكم سيدًا فاضلا"."
وهذه القصة الخاصة بليكرجس تطابق شخصية أبيكتاتوس نفسه؛ إذ أنه كان يرد ما يلاقيه من سوء المعاملة على أيدي الأشرار في هذا العالم بمحاولة هدايتهم وتحويلهم إلى سادة وُدَعَاءَ أفاضل.
أما مارقوس أوريليوس فعلى الرغم من أنه كان يختلف مع أبيكتاتوس في المركز إلا أنه كان يتفق وإياه في الفكر إلى حد بعيد. والفرق الوحيد بينهما هو أن العبد وصل إلى الفلسفة الرواقية عن طريق تفاؤله، في حين وصل الملك إليها عن طريق تشاؤمه.
ومما يثير العجب أن يقدر لأوريليوس مهنة لم يكن يتذوق لها طعما. فكان إمبراطورًا يمقت
الحرب، ولكن هكان يحكم أمة جعلت من الحرب شغلها الشاغل، ومنذ حداثته كان يرغب في أن يكون فيلسوفًا لا جنديًّا، حتى إنه لولوعه بأمثال سقراط والكلبيين - أولئك المفكرين البواسل الذين آثروا الحق على الغنى - كان يرتدي عباءة مهلهلة وينام على دكة خشنة. وكان سعيدًا بفقره. ولكن ما إن بلغ الثامنة عشرة حتى نزلت به الطامة الكبرى - أو هكذا اعتبرها هو - إذ ارتفع قدره من صعلوك إلى أمير. وهكذا اختطف من بين أحضان الفلسفة وأصبح على غير رغبته وارث العرش الذي وقع عليه اختيار عمه الإمبراطور الروماني أنطونيوس. فلما مات الإمبراطور (عام 161 م)