فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 440

ورث أوريليوس ثروة لم يكن راغبًا فيها، وحربًا لا أساس لها من الحق.

وكان أمينًا إلى حد أنه كان يمقت الثروة، ولكنه لم يكن شجاعًا إلى الحد الذي يتمكن معه من رفضها. ولما جرَّه بلده لخوض غمار سلسلة من الحروب بدافع البغي والعدوان، جعل من سرجه عرشًا ومن خيمته قصرًا. وهنا في أثناء حملاته الحربية وعلى ضوء مشعل يتراقص أمام الريح كتب تأملاته الفلسفية عن الحياة والموت. فكانت ومضات من الحكمة تبهر النظر وسط خطط مظلمة لمذابح اليوم الثاني. ومما كتبه عن خبرته المريرة:"إن الحياة كلها ليست إلا حربًا ونزالا في أرض غريبة".

وكان الضحية البائسة لطموحه الشخصي، ولكنه كرواقي مخلص أذعن لكرامته كإمبراطور ولقسوته كجندي. وذكر أنه إنما فعل ذلك لأن الواجب قد حتم عليه أن يقوم به كإنسان، ولو أنه واجب كريه إلى نفسه كما جاء في اعترافه، إذ أنه في قرارة نفسه كان بسيطًا وأمينًا وشفيقًا.

ويتمكن هذا الجانب الطيب من طبيعته على صفحات كتابه، حيث يضرب صفحا عن العالم. في حين ينعم النظر في أعماق قلبه. وهنا أيضا يجد راحة وهدوءا وسط زحمة المجالدين والسفاحين واللصوص الذين يكونون غالبية جيشه:"إن مدى حياة الإنسان أشبه ما يكون بنقطة"

واحدة ... والشهرة بعد الحياة كذلك تطويها يد النسيان. فما هو، إذن، الشيء الذي مصيره الدوام والبقاء؟ شيء واحد فحسب هو الفلسفة. وتتضمن الفلسفة هذه القواعد - فلكي يحفظ الإنسان روحه التي بداخل نفسه من كل حالات التعاظم والكراهية، ولكي يحررها بصفة خاصة من الألم واللذة، فعليه ألا يقوم مطلقا بعمل شيء في رعونة أو كذب أو رياء، وعليه كذلك أن يتقبل بسرور وقناعة كل ما يصيبه من أحداث، باعتبارها من صنع الله الذي هو من صنعه أيضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت