فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 440

بين إخوته؛ إذ أن هؤلاء المسيحيين كانوا يؤمنون"بمملكة غريبة في السماء"- ولم يكن

ذلك، كما اعتقد أوريليوس، إلا تحديا للمملكة الرومانية على الأرض. ولقد أدرك أوريليوس أن صراعا لا بد أن يقوم، عندما تتسع رقعة هذا الدين الجديد، بين المثالية المسيحية والسياسة الاستعمارية الرومانية. كما أحس في داخل نفسه بصراع مماثل. فقد كانت بساطته الرواقية في جانب المسيحيين، وكان طموحه الملكي في جانب روما.

وقد حفزه طموحه لكي يتخذ موقفًا مضادًّا من نفسه الخيرة، فنراه وقد أمر بصلب الرواد المسيحيين.

وكانت هذه الفعلة أسود نقطة لطخت شخصيته، بل أعظم مأساة في حياته، فقد كان من الصعب على الجندي الملكي، أو الرجل الغني سواء بسواء، أن يدخل ملكوت السموات.

وهكذا نرى أن أبيكتاتوس وأوريليوس وصلا إلى الرواقية عن طريقين مختلفين، وكان لكل منهما فيها وجهة نظر مختلفة عن الآخر. ففلسفة العبد كانت إيجابية؛ إذ يقول: امزح بالقليل الذي في حوزتك. أما فلسفة الملك فكانت سلبية؛ إذ يقول: لا تحزن على الكثير الذي ليس في حوزتك.

وقد ذكر أبيكتاتوس:"أننا جميعًا ملوك بأرواحنا المتحررة". أما أوريليوس فقد أعلن:"أننا جميعًا عبيد بخضوعنا لشهوات أجسادنا". وكان أبيكتاتوس يتقبل الشر على أنه جزء لازم وضروري في حياتنا."فلا نعرف حلاوة الحلو إلا بمقارنته بالمر، ولا يجعل شروق الشمس جميلا إلا بزوغها من بين الظلام". ولكن أوريليوس كان يحاول أن يغمض عينيه عن شرور العالم."فإذا كان الخيار مرًّا، فألق به بعيدًا، وإذا اعترض طريقك العُلَّيْق فأعرض عنه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت