فهرس الكتاب
زمان - وهنا نستمع إلى صدى ما كان يردده القديس أوغسطين. قالله إذن عليم بكل ما كان وبكل ما هو كائن، وبكل ما سيكون. وكما أن التمثال كائن في عقل المثال قبل أن ينفذ على الرخام، كذلك أجيال البشر كائنة في عقل الخالق قبل أن تخرج إلى الوجود لحما ودما.
ويخلق الله الأشياء كلها لأنه يحب الأشياء كلها. وفكرة خلق العالم هذه نتيجة لحب الله إن هي إلا فكرة أفلاطونية أكثر منها أرسطاطاليسية. فقد كان الأكويني شخصية أكثر حرارة وحماسة من أرسطو، ومن ثم نجد أن إله الأكويني كائن أكثر عطفا ورحمة من إله أرسطو. وجميع الفلاسفة يتمثلون آلهتهم على صورهم الذاتية. فبينما إله أرسطو هو المحرك الثابت نجد أن إله الأكويني (مثل إله أفلاطون) هو المحب الخلاق. ولا يخلق الله الإنسان فحسب، بل يخلق العالم أجمع كذلك، على صورته. ولذلك تحاول جميع الأشياء أن تتخذ صورة أقرب ما تكون شبها بالله.
فالحياة، إذن، جهاد متصل للوصول إلى الكمال. وكل الخليقة الزائلة إن هي إلا محاكاة فطرية للصورة الإلهية، فهكذا يريد الله وإرادته هي بداية الوجود ونهايته. وجميع أطراف العالم المتناقضة - التي نراها ونحس بها من ألم ولذة ومرض وصحة وحسد ورحمة وانتقام وعفو وموت وحياة - أشبه ما تكون بألوان المنشور المختلفة. فإذا ما امتزجت جميعها فإنها تذوب في بهاء خير الله وعلمه ومحبته. ولذلك فكل ما هو خير يأتي من عند الله، كما أن كل ما يأتي من عند الله خير. وما الشر إلا تحد يرمي إلى تحويل طريقنا إلى جهاد له ننشوته ومغزاه.
وهكذا ظل الأكويني يبني كاتدرائيته المؤسسة على العقيد المدعمة بالعقل.