فهرس الكتاب
ولكن بيكون رأى أنه لكي نتأكد من طبيعة العالم الحقيقي فعلينا أن ندك ونهدم تعاريفنا الباطلة وعقائدنا ومذاهبنا التي لا أساس لها. كما يجب أن نبدأ لا من القضايا إلى الملاحظات، ولا من العقيدة إلى العقل، وإنما من الملاحظات إلى القضايا، ومن العقل إلى العقيدة،"فلو بدأ الإنسان بالإيمان ببعض الحقائق، فسينتهي به الأمر به إلى الشك، ولكنه إذا بدأ السير بالشك، فلا بد أن ينتهي إلى الحق واليقين".
وهكذا أدخل بيكون الطريقة العلمية في دراسة الفلسفة. وما هي إلا"طريقة التجريب"..
"التي تشعل الشمة أولا، ثم بضوء هذه الشمعة، تنير لنا الطريق".
أما نهاية الطريق، الذي تضيئه شمعة العقل، فهي العقيدة. وقد صرح بيكون بقوله:"إن القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق فيها ينتهي بعقول الناس إلى الإيمان". وذلك لأن هناك"عقلا كبيرًا في السماء يرشد ويهدي عقولنا الصغيرة على الأرض". وكلما ازداد تنقيبنا في أعماق الفلسفة، ازددنا يقينا بأن"الناس ليسوا حيوانات انتصبت قاماتها بل هم آلهة خالدة". والفلسفة تمكننا من أن نجد لنا نموذجًا أو مثالا آلهيا."وإذا ما صادف عقل الإنسان أسبابا مبعثرة (في الطبيعة) ، فقد يقف أحيانًا عندها ولا يتابع السير إلى ما وراءها، ولكنه إذا أنعم النظر فشهد سلسلة الأسباب ... كيف تتصل حلقاتها، فإنه لا يجد بدا من الارتماء في أحضان العناية الإلهية والتسليم بالله". وليس في العالم شيء عارض، فكل شيء مرسوم معين - أي إنه نتيجة نظام مخطط أصلا."فالمصادفة اسم لشيء لا وجود له".