فهرس الكتاب
وهكذا اتخذ ديكارت من شكه بداية إيجابية لا نهاية سلبية. ومن بين جميع آرائه غير المحققة المشكوك فيها وجد حقيقة واحدة ثابتة: وهي أنه قادر على التفكير، فالعالم المادي كله بما فيه جسده قد يكون خداعا، أما فكره فهو حقيقة مؤكدة."فبينما أردت الظن بكل شيء أنه باطل، فلا مناص من التسليم بأنني أنا الذي أفكر لا بد أن أكون موجودًا. وقد دفعتني ملاحظاتي عن هذه الحقيقة"
"أنا أفكر فأنا إذن موجود"، وهي الحقيقة الراسخة اليقينية التي لم تقو أكثر فروض الشاكين إسرافا على إنكارها، أقول دفعتني ملاحظتي لها إلى التسليم بها من غير ما شك واتخاذها أساسًا أقيم عليه الفلسفة التي كنت أنشدها"."
"أنا أفكر فأنا إذن موجود". هذه هي الخطوة الإيجابية الأولى التي خرج بها ديكارت من غابة شكوكه. فالشيء الوحيد المحقق في العالم هو العقل المفكر، والشخص المعروف"بأنا"- أن إن العقل المفكر الذي يتميز به وجودي"يختلف اختلافا كاملا عن جسدي ... إلى درجة أنه لو لم يثبت وجود الجسد، لظل العقل موجودًا بكل مميزاته".
ولكي أفكر إذن لا بد أن يكون العقل موجودًا. فقد أشك في أنني جسد، وفي وجود العالم المادي الذي أعيش فيه. ولكنني لا يجوز أن أشك في أنني عقل قادر على التفكير، بل قادر على الشك"وعلى ذلك فأنا أعرف أنني كائن تتميز طبيعته بالتفكير ولا يحتاج وجوده إلى أي مكان ولا يعتمد وجوده على أي شيء مادي".
إذن فالعقل أو النفس متميزة من الجسم، ويمكن تعرف العقل بسهولة أكثر من الجسم، فهو يستطيع أن يفكر حتى من غير وجود الجسم.