فهرس الكتاب
وفي عبارة أخرى، فحقيقة كوني قادرا على التفكير تثبت أنني موجود كروح حية. وما هذه إلا أول خطوة تخطوها من تيه الشك إلى نور الفلسفة.
أما الخطوة الثانية فتجرنا إلى اعتبار الجسم جوهرًا ماديًّا، كما أن النفس هي الجوهر المفكر في كياننا. وإن تفكير النفس لهو الذي يزودنا بمعلوماتنا عن الجسم، فالنفس هي العامل الذي يقود. أما الجسم فهو الآلة التي تقاد.
وتعرف هذه الفلسفة الديكارتية بالمذهب الثنائي - أي المذهب الذي يقسم العالم إلى كيانين متوازيين وإن كانا مستقلين هما المادة والروح. فديكارت، إذن هو واضع نواة مدرستين متباينتين للفكر الحديث: المادية والمثالية. فالماديون يؤكدون أن العقل إن هو إلا جزء من الجسم، وأن العامل الذي يقود ليس إلا إحدى عجلات الآلة، وأن العالم، إذن، إن هو إلا جسم من غير نفس، أما المثاليون من الجهة الأخرى فيؤكدون أن الجسم جزء من العقل، وأنه لا وجود إلا للروح لا المادة، وأن العالم إذن إن هو إلا نفس من غير جسم. وعلى أية حال فإن هذا الصراع الفلسفي يقترب لحسن الحظ من نهايته لأن العلم الحديث قد أثبت أن الجسم والنفس والمادة والطاقة ليست أشياء مختلفة، وإنما هي مظاهر مختلفة لكائن واحد بذاته.
ولنعد إلى ديكارت لنجد أنه بعد أن بدأ بالشك أثبت - إرضاء لنفسه على الأقل - أن لكل منا:
(1) نفسا مفكرة.
(2) وجسما ماديا تكشف عنه أفكار النفس.
ثم يتقدم خطوة أخرى إلى الأمام ليثبت حقيقة ثالة هي وجود الله.
قال ديكارت:"نشأت فكرتي عن الله عندما كان عقلي الناقص يبحث"