فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 440

مهمتي هي أن أفهم وأعي". فقد كان متأكدًا أن آباء المجمع اليهودي يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم على صواب. وهذا ما حدا بهم إلى اعتبار سبينوزا خائنًا."

ولكن سبينوزا هو الآخر كان مقتنعًا أشد الاقتناع مثلهم أنه على صواب، إذ كان ينظر إلى العالم خلال منظار الخلود، بينما كان قضاته ينظرون إليه خلال منظار اللحظة الراهنة، فقر قراره على البقاء في امستردام، وحيدًا مع أفكاره وكتبه، غريبًا في وسط قومه، ولكنه"رفيق دائم لله".

ومع هذا رفض قومه أن يتركوه يعيش في سلام، فحدث في إحدى الليالي أن حاول أحد المتعصبين أن يقتله بخنجر، ولكن سبينوزا نجا بحياته بعد أن أصيب بجرح يسير، وقر رأيه على الانتقال إلى حي أووركيرك الذي لا يقيم فيه أحد من اليهود، وهو إحدى ضواحي أمستردام. واستبدل باسمه الأول باروخ الذي معناه"مبارك"بالعبرية، اسما آخر يقابل الأول باللاتينية هو"بندكت Benedict"، واستأجر غرفة في طابق علوي وعاد يشتغل بصقل العدسات الزجاجية لكي يكسب قوت يومه. فبالرغم من أن عقيدته في اليهودية لم تكن صحيحة مستقيمة إلا أنه كان يتمسك بالقانون اليهودي الذي يحتم أن يحترف كل طالب، حرفة يدوية، إذ كان الأحبار القدامى يقدمون النصح قائلين:"فلتستعملن يديك في الأعمال الدنيوية، ورأسك في الأفكار السماوية".

وهكذا أقام سبينوزا آنئذ بين المسيحيين، ولو أنه لم يعتنق أيًّا من مذاهبهم."إن الأديان المخلتفة تقسم الناس شيعًا، ولكن غايتي هي أن أوحد بينهم".

ولما وجد صاحب الدار وصاحبته المسيحيان فيه رجلا دمثا، أغرياه أن يرافقهما عندما انتقلا (في عام 1660) إلى ريجسبرج القريبة من مدينة ليدن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت