فهرس الكتاب
وهنا اعتزل العالم"وكأنه دودة القز في شرنقتها، لا يخرج إلا لرياضة المشي أحيانا، أو لابتياع طعامه البسيط المكون من اللبن وخبز الذرة وحفنة من زبيب العنب، وكان ميله الرئيسي أن يراقب معارك العناكب التي تسكن غرفته."
وقد لاحظ أن العناكب والناس يشتركون في كثير من الصفات، فهي تتميز ببراعتها المذهلة في نسج خيوطها وبناء بيوتها، ثم بحماقتها البالغة في عدم ما صنعت أيديها بطيش وتهور!!
وكان سبينوزا في الثامنة والعشرين من عمره في هذا الوقت، ولم يكن يخالط أحدًا إطلاقا خارج محيط الدار، ولكنه كان ينزل من برجه أحيانًا ليحادث صاحب الدار وصاحبته، وكان حديثه معهما على قدر مستوى إدراكهما ولو أن عباراته من آن لآخر كانت تنير أمامهما الطريق إلى السموات - على حد تعبيرهما - ولنستمع إلى صاحب الدار يقول:"إن هذا اليهودي هو الشخص الوحيد الذي يتحدث مثل القديسين".
وكان مظهره، كأسلوبه، لا هيبة فيه - متوسط الطول، أسمر البشرة، شعره مجعد أدكن، وشعر حاجبيه طويل أسود، وعيناه تشتعلان حمى السل المزمن، وكان لا يرتدي من الثياب إلا رداء قذرًا -"لا ينبغي أن يلفَّ شيء تافه في غلاف ثمين"، ولم يكن يكسب من صناعته إلا القليل ولكنه استطاع أن يقيم أوده في حدود دخله، وقال في ذلك:"إنني لكالثعبان الذي يصنع بجسمه دائرة بوضع ذيله في فمه؛ فدخلي يساوي نفقاتي تمامًا، فلا يتبقى لي شيء بعد ذلك في نهاية العام".
وهكذا كان يقضي وقته في غرفته في الطابق العلوي. ينسج ديباجة فلسفته ويبذل كل ما في طاقته لينهي عمله وهو في صراع محموم مع الموت.