فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 440

ولكنه لم ينجح نجاحا كاملا في هذه المحاولة، إذ لم يستطع أن يكمل آخر كتبه، ولعله

أحسنها"رسالة في السياسة". كما صرح أن كتبه الأخرى - رسالة في الدين، وفي إصلاح العقل، والأخلاق - لم تضم بين دفاتها إلا"فتاتا من الحقيقة"، لأن أعظم الفلاسفة، كما قال، ينظر إلى العالم مثلما ينظر السجين خلال شرخ في حائط جسمه الذي هو سجنه مدى حياته.

والرغم من ضيق هذه النظرة، فإنها لمحة من الرؤية الحقيقية إذا ما نظرنا إليها في إطار الخلود، وهذه الكلمات الثلاث - Sub Specie Aeternitatis ، في إطار الخلود - تمثل جوهر فلسفة سبينوزا. فمعارك العناكب، وصراع الشعوب، والعذاب على آلة التعذيب، والفصل والحرمان من المجمع اليهودي، وسوء التفاهم والكراهية والمؤامرات بين الأفراد والأسر والدول - كل هذه ليست إلا الخيوط القائمة في النسيج الأبدي لديباجة الحياة وصورتها. وكان يشترك سبينوزا مع جميع أعلام الفلاسفة الآخرين ابتداء من زرادشت إلى فلاسفة عصره، في الاعتقاد بأن الخيوط القائمة والمشرقة على السواء ضرورية لا غنى عنها في نسج الديباجة الكاملة ورسم صورتها. فالشر إن هو إلا نظرتنا من جانب واحد إلى الكل."والخير فيما كانت نهايته خيرا". ففي النهاية - أو كما عبر عنها سبينوزا، في الصورة الكلية - نجد أن العالم خيّر.

وهكذا علينا أن نتعلم النظر إلى العالم كما يراه الله، فليس هناك شيء منفرد منعزل. فمسراتنا وأحزاننا، ونكباتنا، وحرائقنا، وفيضاناتنا، وحتى حروبنا - كل هذه إن هي إلا لمحات جزئية من صورة الكون الخالدة. وكما أنه في وسعنا أن ننسى ما حل بنا من مصائب في الماضي، فإنه علينا أن نحاول رؤية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت